منبر الرأي

بين الإفتاء والدعاء


خالد الجندي
10/22/2016 2:00:57 PM

انطلقت فعاليات المؤتمر العالمي لدار الافتاء المصرية والذي عقد تحت عنوان في غاية الأهمية وهو »التكوين العلمي والتأهيل الإفتائي لأئمة المساجد للأقليات المسلمة واستمر ليومين ناقش فيهما علماء الأمة أهم قضية معاصرة في واقعنا المعاصر ألا وهي الفتوي وخطورة الفوضي في إطلاقها وجعلها سيفاً مسلطاً علي رقاب العباد.
وبهذا يخطو الأزهر الشريف خطوة جديدة مباركة للقيام بإكمال دوره التاريخي المحتوم لحماية وسطية هذا الدين الحنيف والتصدي لغلو الجاهلين وجهل المتربصين.
ولعل في ترأس فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب للمؤتمر أكبر رسالة لأولئك الذين توهموا غياب الأزهر عن مشهد المواجهة.
وإننا نظن أن الأستاذ الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية قد استطاع وبجدارة ربط دار الإفتاء بالشارع المصري والاتصال المباشر بالمواطن العادي، وانجازاته هو وفريق عمله لا تخفي علي أحد..
وتضامناً مع هذه المهمة المقدسة نبدأ في جريدتكم »‬اللواء الإسلامي»‬ رصد ومتابعة الفتاوي والآراء الدينية التي نري أنه من الواجب مناقشتها، والحوار حولها، وهذا من باب البيان والنصح وأحياناً التحذير والابلاغ ونحن هنا لن نتعرض لأشخاص أو هيئات إنما سنتعامل مع الرأي ولا شأن لنا بصاحبه ومع المكتوب ولا علاقة لنا بكاتبه.
وبداية نود الإشارة إلي التوفيق البالغ للإمام الأكبر في كلمته الافتتاحية للمؤتمر حيث أشار فضيلته إلي ثلاث نقاط رئيسية وهي:
- رفض مصطلح الأقليات وذلك لتعارضه مع المواطنة بمفهومها المعاصر والتدليل علي ذلك برفضنا وصف مسيحيي مصر بالأقلية كونهم مواطنين بجدارة.
جرأة علماء الأزهر السابقين في التعاطي مع الواقع ومخالفتهم لبعض الفتاوي الموروثة مراعاة لفقه الواقع وذلك منذ أكثر من ثلاثين عاماً كفتوي ايقاع الطلاق ثلاثا واعتبرها علماؤنا طلقة واحدة في خطوة بالغة الجرأة والصراحة واعترف فضيلته أن بعض المعاصرين من العلماء يتخوفون من مخالفة السائد المعروف في مثل هذه النوازل وهذا مما يعاب ولا شك.
> وكذلك قضية التعدد وشروطه والتي أغفلها البعض عمداً مما أدي إلي اتهام الشريعة ظلماً بعدم العدل.
- ومن أروع ما أشار إليه فضيلته هو وجوب احترام اختلاف البيئات والأعراف عند اطلاق الفتوي لمنع الاضطراب الناجم عن حمل الناس علي رأي لا يناسب واقعهم المعاش..
المشهد الثاني:
نعتقد أن هذا الأسبوع هو أسبوع الإفتاء بغير علم بجدارة الحاصل علي المركز الأول.. فقد تداولت الفضائيات ومواقع التواصل مقطعاً لا يتجاوز الدقائق الثلاث لسائق »‬توك توك» أفتي في الوضع الاقتصادي والعلاقات الخارجية والدبلوماسية للبلاد والمشاريع التنموية ومؤتمر شرم الشيخ الأخير والتاريخ المصري المعاصر.... إلخ كل هذا في ثلاث دقائق بلقاء (يفترض أنه لقاء عابر) وحمل كماً هائلاً من الأغلاط والجهالات والسخرية والعصبية المصطنعة وبسرعة فائقة.. ولاشك أن الشكوي والاعتراض علي نقص بعض السلع إنما هي حق للجميع والوطن يعاني منها بحق. ولكن رصدنا للتطرق إلي قضايا قومية تحتاج إلي ذوي الخبرة والتخصص ولاشك..
بل وقام سيادة المواطن المحترم بتحميل أخطاء الأنظمة السابقة لأكثر من خمسين عاما علي السنتين الأخيرتين فقط في تحامل ظاهر وتحيز مكشوف مما ألقي بظلال من الشك والريبة علي شكواه وتبنيه لآراء المرجفين وأعداء الوطن ونحن هنا لا يعنينا التحقق من انتمائه ولا التشكيك في وطنيته، ولا يعنينا الرد علي ما قاله..
فقد تولي ذلك العديدون من المختصين بالأمر ولكن يلفت النظر ذلك التشوش والتخبط اللذان حدثا لرجل الشارع العادي من الفتاوي التكتوكية التي أطلقها السائق الهمام، ووقع في براثنها أطياف من الناس كنا نظن فيهم الموضوعية والثقافة الوطنية، ولكن كانت المفاجأة في ضحالة البنية الثقافية عند الكثيرين، وهذا بدوره يلقي الضوء علي خطورة الفتوي في أي تخصص بغير تخصص فلا يكفي كونك مواطناً لتفتي في المشاريع الوطنية ولا يكفي أن تكون لاعباً لتصنع خطة المباراة.. ولا يكفي أن تكون طالباً لتشارك في منهج التدريس ومن غير المعقول أن يسمح لك بدخول المطبخ في أي مطعم لتشارك في صنع الطعام لكونك زبوناً دائماً في هذا المطعم!
لكننا يبدو أننا نعيش في المرحلة التكتوكية للإفتاء في أي شيء وبكل شيء!!
وكأن رسول الله صلي الله عليه وسلم ينظر إلي واقعنا اليوم في حديث صحيح مروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال فيه: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: »‬تأتي علي الناس سنوات خداعات يُصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق الرويبضة، قيل: يا رسول الله.. وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة»
ونعتقد أن الحديث الشريف لا يحتاج لأي تعليق.