منبر الرأي

ولله جنود السموات والأرض


د. محمود مزروعة - جامعة الأزهر
10/22/2016 1:58:25 PM

في المقال السابق تكلمنا تحت هذا العنوان عن جنود الله تعالي في السموات والأرض والتي استطعنا أن نضع أيدينا عليها في رحلة هجرة المصطفي صلي الله عليه وسلم لكنا أشرنا في المقال السابق أن جنود الله في السموات والأرض ليست خاصة بالمصطفي صلي الله عليه وسلم بل هي عامة للمصطفي ولإخوانه المرسلين من قبله، ووعدنا أن نضرب أمثلة لجنود الله في السموات والأرض التي سخرها لخدمة إخوانه المرسلين - عليهم صلوات الله وسلامه - فقد قلنا في المقال السابق : »إننا نضرب لها - لجنود الله - أمثلة من هجرة النبي التي نتكلم عنها وأمثلة كذلك لدي الأنبياء الآخرين»‬
وها نحن نضرب مثالا لجنود الله في السموات والأرض التي سخرها لموسي - عليه السلام - وقد اخترنا أن نبدأ بموسي - عليه السلام - وذلك لتصويب خطأ يقع فيه الكثيرون حيث يعتقدون خطأ أن السحرة الذين جرت المنافسة بينهم وبين موسي - عليه السلام - قد سحروا حبالهم وعصيهم حتي جعلوها تتحرك وتتلوي أمام المشاهدين حتي ذهب البعض إلي أنهم قد وضعوا فيها مادة »‬الزئبق» التي جعلتها تتلوي، وآخرون يأتوت بتعلات أخري.
وهذا الذي أشرنا إليه خطأ عظيم، وفهم سقيم، فإن الحبال والعصي التي رقي بها السحرة علي الأرض في ساحة المنافسة يوم الزينة لم تتحرك ولا تتحرك. وإنما حركتها توهم من الناس الذين يشاهدون وتخيل.
وهذا الذي حدث لموسي عبدالله ورسوله - علي نبينا وعليه السلام - نستطيع أن نصوغه في نقاط تبدأ من ولادته وليدا صغيرا ثم نترقي معه طوال مسيرته تحت رعاية جند الله.
أولاً: كان فرعون قد أخبره كهنته بأن موته وهلاكه سيكون علي يد ذكر يولد لبني إسرائيل في السنة الزوجية من تاريخهم في ذلكم الزمان. وقد أخبر الكهنة فرعون بذلك بناء علي رؤي رأوها في منامهم.
ثانياً: من المعلوم أن الرؤي المنامية هي من جند الله تعالي التي يظهرها للكفار، لتكون سبباً من الأسباب لتحقيق أقدار الله في العباد.. وقبل موسي - عليه السلام - رأي فرعون في عهد يوسف - عليه السلام - سبع بقرات يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر يأكلهن سبع آخر، وكانت هذه رؤيا حق عبرها يوسف وكانت صحيحة. فالرؤي هنا جند من جند الله لتحقيق مراد الله.
ثالثاً: في السنة الفردية من تاريخهم ولد هارون - عليه السلام - فلم يقتله فرعون لأن الكهنة أخبروا بأن الذي يأتي علي يده هلاك فرعون يولد في السنة الزوجية.
رابعاً: في السنة الزوجية ولد موسي - علي نبينا وعليه السلام - وهنا جاءت العظة والعبرة التي ذكرها الله تعالي ممتنا علي موسي - عليه السلام - فقال تعالي مخاطباً موسي:
»‬ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَي إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَي أُمِّكَ مَا يُوحَي أَنْ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَي عَيْنِي» (طه : 37 - 39).
خامساً: تفسير الآيات التي معنا فيها قمة الإعجاز. ففي قوله تعالي : »‬ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَي» تعني أنه قد سبق ومنَّ الله تعالي علي موسي المرة السابقة، والمقصود بها إجابة سؤله حيث قال لربه» رب اشرح لي صدري..... الآيات» فقال له ربه: قد أوتيت سؤلك يا موسي»، أما المنّ الثاني أو المرة الأخري، فتفصيلها فيما يلي:
سادساً: كان بيت أم موسي علي شاطيء النهر، فلما ولدت ابنها موسي في السنة التي يقتل فيها فرعون أبناء اسرائيل،  خافت الأم علي ابنها وأدركت أن فرعون سيقتله، فأوحي الله إليها »‬أَنْ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ» فصنعت لابنها صندوقا من خشب - تابوتاً - ثم دقت علي شاطيء النهر وتدا قويا ثم ربطت الصندوق بالوتد بحبل قوي، وألقت الصندوق - التابوت - في الماء وبداخله موسي ابنها، فإذا جاع وبكي، جذبت الصندوق بالحبل وأرضعت ابنها، ثم وضعته في الصندوق وقذفت الصندوق في اليم - النهر - حتي أخبرت القابلة.. الداية - جنود فرعون، فجاءوا إلي بيت أم موسي ليقتلوا الوليد، فنظر الجند في البيت ثم خرجوا إلي شاطيء النهر حيث موسي مربوطا بتابوته في الوتد وهنا حدث أمران:
1- أنْ فزعت أم موسي لما خرج الجند حيث موسي مربوطا إلي الوتد، وكادت تصرخ باكية، لولا أن الله تعالي ثبتها قال سبحانه:
»‬وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَي فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَي قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ».
2- الأمر الثاني من جند الله، أن الحبل المربوط موسي إلي الشاطيء انفلت من الوتد وانطلق بحمله الثمين الي قصر فرعون، رغم أن قصر فرعون كان في التيار الأعلي من النهر، لكن التابوت - الصندوق - انطلق يقاوم التيار متجها ضده الي قصر الملك فرعون فهل رأيت قارئي الكريم - جنديا مثل الحب والصندوق؟
سابعاً: اتجه التابوت - الصندوق - بحمله الثمين يحمل عبدالله ورسوله موسي علي نبينا وعليه السلام - إلي قصر فرعون مباشرة، ويقف الوجود كله تلك اللحظة الحاسمة.
وكأن الله - تعالي - يقول لفرعون: »‬قتلت الآلاف من أبناء اسرائيل خوفا من عبدي هذا، فها أنا آتيك به إلي باب بيتك فأرني ماذا تستطيع أن تفعل» تماما مثل الذي حدث لمحمد صلي الله عليه وسلم حين دخل الغار مع صاحبه في رحلة الهجرة، واجتهدا في إخفاء آثارهما، ورتبا عبدالله بن أبي بكر رضي الله عنهما ليمشي بأغنامه مضيعا آثار أقدامهما. لكن الله - تعالي - يظهر ما اختفي من آثار أقدامهما، ليصلا في النهاية إلي مخبأ أبي بكر مع رسول الله، وانتصر جند الله وخسر هنالك المبطلون.
ثامناً: وأخيراً يعرف فرعون وخدمه وجنده أن هذا الوليد من بني اسرائيل وأن أحدا لن يلقي وليده في خضم البحر سوي من أيقن أن الوليد مقتول مقتول، وتأخذ امرأة فرعون الوليد وتنظر إليه فتقع أسيرة حبه، ويأتي فرعون يرغي ويزيد ويصيح: لابد من قتله، لكن ما إن ينظر في وجه الوليد حتي يسلّم ويقول: نعم نحتفظ به لعله أن ينفعنا أو نتخذه ولدا، تماما مثل ما قالت زوجته وهذا هو الجندي الذي نقف عنده، ذلك الجندي الذي هو سر من أسرار الله تعالي والذي قال عنه ربه مُمْتَنَّا علي موسي: »‬وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَي عَيْنِي» ذلك السّر الذي يتلخص في أنه ما ينظر أحد في وجه الوليد إلا ويقع أسير حبه، والله أعلم وإلي الحديث القادم بحوله تعالي.