منبر الرأي

التصوف.. وحدة الشهود ووحدة الوجود «5»


د. محمود مزروعة - جامعة الأزهر
10/1/2016 2:58:52 PM

سبق وتكلمنا عن بعض أنواع التصوف وقضاياه، وقد حرصنا أن يكون كلامنا في غاية الوضوح والبيان. وما ذكرناه سابقا يتضاءل ويتصاغر أمام ما سنذكره هنا من قضايا خطيرة يتداولها كثير من الطرق الصوفية. ونعني بهذا: وحدة الشهود، ووحدة الوجود.
وسنذكر هنا - بحول الله - العقيدة الثانية نعني »وحدة الوجود»‬ لما أنها الأخطر من جانب، ومن جانب ثان لأن الله تعالي قد طمس علي قلوب الكثيرين حتي جعلوا من قنن لها ونشرها شيخ الطرق، ووصفوه بالأكبر.
وهذه العقيدة - وحدة الوجود - هي الأكثر خطورة، والأدخل في باب الضلال، والتي يقول بها كثيرون منهم، لكنهم - بفضل الله - بالنسبة لجماهير المتصوفة قلة، لكنا ننبه ونحذر.
ووحدة الوجود - ببساطة شديدة - تعني أنه ليس في الوجود كله إلا واحد.. هو الله تعالي وأن الوجود كله ليس فيه إلا ذات واحدة هي »‬ذات الله»  سبحانه ولكن هذه الذات تتلبس أشكالاً مختلفة، وتظهر في صور شتي. هي صور جميع المخلوقات من حيوان وإنسان. فالذات واحدة - هي الله - ولكن أشكالها كثيرة ومتعددة ومختلفة فليس في الوجود كله من حيوان أو انسان إلا وهو صورة لله - عز وجل - ومظهر لهذه الذات. أو هو الذات الإلهية متشكلة بهذه الأشكال والصور.. فالوجود كله، وجميع ما يعج به ويمتليء من مخلوقات. هو ذات الله، وهو مظهر لله، بل هو الله وقد تلبس بهذه الأشكال والصور - تعالي الله عما يقولون علوا كبيرا.
فالصوفية الذين يدينون بهذه العقيدة الفاسدة الكافرة ينظرون إلي كل شيء إلي الوجود علي أنه هو الله سبحانه، فالإنسان والحيوان عندهم مظاهر لذات الله، فالله تعالي حال فيها، ومتحد بها، وهي مظهر له، وجميع الموجودات كذلك لا يشذ عن ذلك شيء وهذا ما يعنونه بوحدة الوجود تعالي الله وتقدس عما يفتري هؤلاء ويأفكون -
وقد كان »‬الحلاج» المقتول من أشهر القائلين بهذه العقيدة، ولم تكن قد اشتهرت قبله، فجاء هو وادعاها ونشرها بأشعاره وعباراته. وهو القائل يخاطب ربه تعالي فيما يزعم ضلالاً وكفراً، فقال:
مزجت روحك في روحي كما     تمزج الخمرة في الماء الزلال
فإذا مسَّك شيء مسَّني        فإذا أنت أنا في كل حال
ومن مشاهير القائلين بتلك العقيدة »‬أبويزيد البسطامي» الذي يحكي عنه أنه كان يقول عن نفسه: »‬أنا الحق» وكان يقول عن نفسه - كذلك - »‬سبحاني ما أعظم شاني» وكان يفتح جبته ويدق علي بطنه قائلا: »‬ما في الجبة غير الله».
ومن أشهر المقعدين لهذه المدرسة كان ابن عربي الذي له كتب كثيرة ، بل له كتاب مشهور في هذه العقيدة الباطلة الفاسدة.
>>>
نذكر هنا - قارئي الكريم - العقيدة الثانية، والتي هي ضلال مثل سابقتها، وإن كانت أقل من سابقتها كفرا، لكن الكفر لا يقاس بالأقل أو الأكثر، بل: »‬الكفر كله ملة واحدة».
ونحن نعني بالعقيدة الثانية : »‬وحدة الشهود» والتي يقول بها عدد لا بأس به من أصحاب الطرق. يقولونها ويقسمون عليها أنها كانت تقع لشيوخهم الذين يسمونهم الأقطاب.
ووحدة الشهود لدي القائلين بها: حال يصل فيها الصوفي إلي القرب من الله تعالي ثم الاتصال به سبحانه اتصالا مباشرا فوق السماوات، يجعل الصوفي في هذه الحال يري ربه كما يراه ربه، ويشاهد الله، كما يشاهده الله، ويحادثه ويجالسه ويكلمه دون واسطة ودون حواجز، والصوفي ينقطع عن جميع ما حوله، ولا يحس بشيء مما حوله أثناء هذه الرؤية أو المشاهدة، ليس هذا فقط، بل إن الصوفي يصل به الحال أثناء تلك المشاهدة إلي ما يسمونه - أي الصوفية - »‬الفناء في الله» وهذه حال تجعل الصوفي أثناء »‬وحدة الشهود» هذه يفقد التمييز بينه وبين ربه، فلا يعرف نفسه من ربه، ولا ربه من نفسه، فكأن الصوفي - في هذا الحال - هو الله، وكأن الله هو الصوفي ولا فرق، وهذا معني »‬الفناء في الله» نعوذ بالله مما يأفكون.
وهذه الحال علي غرابتها، ووضوح خروجها علي دين الله تعالي يدعيها كثير من الطرق لشيوخهم الذين يطلقون عليهم »‬الأقطاب» أو »‬العارفين بالله».
وهذه الطريقة يصل إليها الصوفي عندهم عن طريق الرياضات الروحية، والمجاهدات النفسية، والأوراد والأذكار، فتأتيه الأنوار، ثم المكاشفات حتي إنه ليري الملائكة ويري مقادير العباد، ويعرف عن طريق المكاشفات الشيء الكثير.
>>>
نصل في النهاية إلي بيان موقف الإسلام من هذين الطريقين أو موقفهما من الإسلام:
أولاً: في وحدة الوجود يتضح الكفر بوضوح شديد - حيث لا يكون هناك إلا الله، فلمن أرسل الرسل والأنبياء. وعلي من أنزلت الكتب، ولمن خلقت الجنة والنار، ودين الله الإسلام لمن، هذا كله إذا لم يكن في الوجود كله إلا الله تعالي؟
ثانياً: ما الفرق بين محمد صلي الله عليه وسلم وأبي جهل، أو بين الكافر والمؤمن، أو بين فرعون وموسي إذا كانوا جميعاهم الله؟ وهل تكفي اجابتهم هنا بقولهم: »‬لا يسأل عما يفعل»؟
ثالثا: في وحدة الوجود، وفي وحدة الشهود، يزعم هؤلاء الصوفية القائلون بهما أو بإحداهما أن التكاليف الشرعية من صلاة وصيام وزكاة وحج، كل هذه قد سقطت عنهم، لأنها تقربهم إلي الله، فإذا كانوا في وحدة الشهود - مثلا - هم مع الله يجالسونه ويشاهدونه، فما حاجتهم إلي عبادات هي - في هذه الحال - مشغلة عن الله تعالي لذلك فهؤلاء جميعا قولاً واحدا يقولون بسقوط التكاليف.
رابعاً: أليس القول بشيء من ذلك مبطلاً لدين الله ورسله وكتبه؟
والله من وراء القصد.