منبر الرأي

الشهيد الحي المستشار الفنجري في ذكراه


بقلم :الشيخ رسمي عجلان - عضو الرابطة العالمية لخريجي الأزهر الشريف
7/24/2016 1:52:34 PM

تمر علينا هذه الأيام الذكري السابعة علي رحيل فارس الوقف ورائد الاقتصاد الإسلامي والقامة الإسلامية والإنسانية والعلمية والأدبية  والوطنية والقدوة الصالحة الذي يحتذي به ويقتفي أثره ليدرس للأجيال علي مر العصور والأيام، ليتعلموا معني العطاء والحب والإخاء، ليروا حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم أمامهم علي أرض الواقع في التكافل الاجتماعي، وفوائد إنفاق الأغنياء علي المحتاجين والفقراء، وكيف ضمن الإسلام سلامة المجتمع والتعايش الكريم بين جميع أفراده، لقد كان أستاذي الدكتور محمد شوقي الفنجري (رحمه الله) - وكيل مجلس الدولة، وعضو مجمع البحوث الإسلامية، وعضو المجلس الأعلي للشئون الإسلامية، وعضو المجالس القومية المتخصصة، وعضو مجلس إدارة مركز البحوث بجامعتي القاهرة والأزهر، ورئيس أقدم وأعرق جمعية خيرية إسلامية في مصر أسست سنة 1892 م كان أول رئيس لها الإمام المجدد محمد عبده (رحمه الله) - دمث الأخلاق حلو الشمائل نموذج من الصعب أن يتكرر (وإن كان هذا ليس علي الله بعزيز).
كان باحثا إسلاميا متخصصا ومتميزا جمع بين العلم والعمل، ومزج الفكر بالحياة، وربط العقل بالنقل، فكانت كتبه وأبحاثه نبراسا يستضاء به في ظلمات الجهل المتفشية في المجتمع الإسلامي، وباب هدي يهتدي به من يشاء في وسط التخبط الفكري الاشتراكي والرأسمالي والمختلط والعلماني، وطوق نجاة من التيارات الفكرية والمذهبية المنحرفة عن وسطية الإسلام العظيم.
لم يترك هذا الفارس الميدان منذ نعومة أظافره حتي فارق الحياة (أي من المحبرة إلي المقبرة)، لم تنفصل كتاباته وأبحاثه المتعاقبة والمستمرة عن قضايا وهموم الأمة الإسلامية، لقد حباه الله الكثير من المواهب والمزايا الخلقية والدينية والعلمية والفكرية والشخصية مما يجعل الحديث عنه أمرا عسيرا، والكتابة عن شمائله أمر غير يسير، ومن الصعب أن يوفي من هو مثلي حقه في ذكر فضائله بكلمات تعبير، فماذا نكتب عن رجل صادق التوجه، وخالص النية، نقي السريرة، سوي الطباع، مرهف الحس بالفقراء والمحتاجين، عذب اللسان، مفتاحا للخير مغلاقا للشر، قدم لدينه والأمة الإسلامية بل والعالم كله الكثير، ولم ينتظر المقابل من أحد غير الله سبحانه.
لم يحمل غضاضة لأحد حتي الذين اختلفوا معه في بعض أفكاره، فكان يقول: (إن اختلاف الرأي وتعدد الأفكار يسري المسألة محل الاختلاف ويوفر لها عدة حلول ولا يفسد للود قضية).
كان ذو قلب رحيم لا يعرف إلا الألفة والتسامح والعفو والصفح، وكان مناضلا بقلمه وماله في سبيل الحق، صلدا لا تلين له قناة، لم يقعده المرض اللعين عن جهاده الكبير في سبيل نصرة الدين، والقضايا النافعة لصالح البلاد والعباد، وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام، ولقد تبني الوسطية وأصبح فارسا في الأعمال الخيرية.
لقد عرف أهمية الوقف في الإسلام وقيمته في حياة الفرد والمجتمع، فتبناه وأصبح فارس الوقف في مصر، وطالب الحكومة بعودة الوقف التي استولت عليه لنظار الوقف والقائمين عليه والمتصرفين فيه بناء علي حجة صاحب الوقف، وطالب بتعديل قانون الوقف في مصر ليستوعب متغيرات العصر، وتطور الحياة حتي يكون دوره فعالا، ثم بدأ بنفسه (ليكون بيانا علي المعلم) فأوقف المستشار الفنجري عدة أقاف من حر ماله في أبواب الخير (فهي تجري عليه بعد مماته ولا ينقطع عمله أبدا)، منها:
وقف لصالح الطلبة الأجانب الوافدين للدراسة بالأزهر.
وقف لصالح الجمعية الخيرية الإسلامية بالسيدة زينب (التي أسست عام 1892م) التي تقوم بالخدمات الاجتماعية والتكافل الاجتماعي فتقدم الإعانات للطلبة المحتاجين، وللمسنين، وللأسرة الفقيرة، والنساء المعولة والأرامل، وكفالة اليتامي حتي يبلغوا سن الرشد، وتزويج الفتيات اليتيمات وشراء ما يلزمهن من مستلزمات الزواج من الألف إلي الياء.
وقف لصالح شراء الأجهزة التعويضية للطلاب المحتاجين بالمعاهد الأزهرية، وقف لصالح بحوث الإعجاز العلمي في القرآن.
وقف لصالح جائزة البحوث في خدمة الدعوة والفقه الإسلامي.
أما عن سيرته الذاتية: فلقد ولد المستشار الفنجري بمدينة منيا القمح محافظة الشرقية في يوم 12/9/1926م، وتوفي يوم الخميس في 7/7/2010عن عمر يناهز (84) عاما.
نشأته: حفظ القرآن في سن مبكر من عمره، وانتهي من التعليم الإلزامي والثانوي والتحق بكلية الحقوق جامعة القاهرة، وأثناء مظاهرة طلبة جامعة القاهرة المشهورة والتي كان يطالبون فيها برحيل الاحتلال البريطاني عن مصر، وكان هو أحد المتظاهرين وكان بالفرقة الثالثة بكلية الحقوق، وفي يوم 9/2/1946م أصدر حاكم دار الجيزة أوامره لمأمور قسم الجيزة بأن لا يتعرض للمتظاهرين حتي يتوسطوا كوبري عباس، ثم أصدر أوامره بفتح الكوبري أمام الطلاب، فأصبح النهر أمامهم وعساكر بلوك النظام خلفهم فمن لم يمت غرقا مات بالضرب القاسي من عساكر النظام، وكان المستشار الفنجري له نصيب الأسد من الضرب والسحل حتي أصيب بكسر في  جمجمة الرأس دخل في غيبوبة ونقل إلي المستشفي وظن الأطباء أنه مات فنقل إلي المشرحة، وأعلن خبر وفاته وتلقي والده وزملاؤه العزاء، وشاء القدر أن يتبين للعاملين بالمشرحة أنه حي فأسعفوه، وبعد رحلة علاج طويلة استمرت سبع سنوات تركت به آثارا قاسية (شلل نصفي) وأصبح المستشار الفنجري من يومها قعيد علي كرسي متحرك، وقد أطلق عليه زملاؤه والصحافة يومئذ (الشهيد الحي).
تخرج من كلية الحقوق والتحق بالعمل في هيئة قضايا الدولة في 1/5/1952م، ثم بمجلس الدولة في عام  1955م، وتدرج في الوظائف القضائية حتي بلغ وظيفة وكيل مجلس الدولة في 28/2/1982م، وأثناء عمله بالقضاء حصل علي دبلوم الدراسات العليا في العلوم السياسية عام 1963م من فرنسا، ثم علي الدكتوراه عام 1966م، وكان موضوعها: (مشكلة تخلف العالم الإسلامي)، ثم انتدب لتدريس الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر عام 1967م، ثم أعير للعمل بالسعودية كمستشار قانوني لعدة وزارات، وكذلك أستاذا للقانون بجامعة الرياض، وانتدب أستاذا زائرا بجامعات الجزائر وبني غازي وأم درمان، وعندما بلغ سن المعاش (60 سنة) في 12/9/1986م تفرغ للعمل الخيري، ومع أنه كان مريضا كان يشرف بنفسه علي الأعمال الخيرية التي تقدمها الجمعية الخيرية الإسلامية ويشرف علي الوقف سابق الذكر بنفسه.
حقا كان اقتصاديا من الطراز الأول، فهو صاحب نظرية (علاج مشكلة الفقر في المجتمعات الإسلامية عن طريق الزكاة)، وكان يردد قول الله تعالي: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتي المالي علي حبه ذوي القربي  واليتامي والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتي الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) - (البقرة: 177).
وكان يردد قول رسول الله (صلي الله عليه وسلم): (إن في المال حق سوي الزكاة)، وكان يردد قول أبي هريرة: عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج الناس شاهرا صيفه. ويردد قول ابن حزم: (إذا مات رجل جوعا في بلد اعتبر أهلها قتلته وأخذت منهم دية القتيل).
كان المستشار الفنجري يري أن مهمة الاقتصادي الإسلامي حفظ التوازن بين مصلحة الفرد والجماعة، وأن الحلول الاقتصادية الإسلامية تتميز عن غيرها من الحلول بأنها ثمرة التوفيق بين مصلحة الفرد والجماعة.
والآن قامت الدول الأوروبية بتطبيق الاقتصاد الإسلامي في التكافل الاجتماعي، والتطوع من منطلقات إنسانية، فجميع الأسر الأوروبية والأمريكية تخصص 2% من دخلها لصالح الجمعيات الخيرية والمنظمات الأهلية، وهو ما يقابل الزكاة في الإسلام، وما من رجل أعمال إلا ويرصد بعض ماله لصالح المرافق العامة والأعمال الخيرية، وهو مقابل الوقف في الإسلام، وما من رجل أعمال إلا ويرصد بعض ماله لصالح المرافق العامة والعمل الخيري، وهو مقابل الوقف في الإسلام، فمتي تطبق الدول العربية والإسلامية الاقتصاد الإسلامي لتخرج من الأزمات الاقتصادية وتزدهر البلاد والعباد؟
ومن مؤلفاته: مدخل إلي الاقتصاد الإسلامي، الإسلام والمشاكل الاقتصادية، الإسلام والتأمين، الزكاة بلغة العصر، المذهب الاقتصادي في الإسلام، نحو اقتصاد الإسلامي، الاقتصاد الإسلامي واتجاهاته، الإسلام وعدالة التوزيع، الوسطية في الاقتصاد الإسلامي، الفكر الاقتصادي لدي الإمام محمد عبده، فكر المسلم المعاصر ما الذي يشغله، جدلية الإسلام، الإسلام والتوازن الاقتصادي بين الأفراد والدولة، كيف نواجه الشدائد والمخاوف في ضوء الكتاب والسنة؟ رحم الله المستشار الفنجري وأسكنه فسيح جناته، وجزاه الله خيرا عما قدمه للإسلام والمسلمين.