مقالات

صناعة الإرهاب وحتمية المواجهة


أ.د/محمد مختار جمعة
2/17/2018 11:44:13 AM

 لم يعد الإرهاب مجرد فكرة ، أو مجرد إعتقاد ، فقد تحول إلي صناعة ، وتجارة ، وتحول الإرهابيون إلي أدوات تُستأجر لمن يدفع ، ومن يمول ، ومن يأوي ، ومن يدعم، ومن يشتري ، ودخل الإرهاب علي السياسة غير النظيفة من أوسع الأبواب ، حيث صارت بعض الدول تستخدم الإرهاب وتوظفه لتحقيق مآربها وأطماعها ، كما تحاول بعض الدول التي لا تكاد تجد لها مكانًا في عالم السياسة أو الحضارة استخدام الإرهاب في تحقيق أطماع وبناء أمجاد كاذبة لم تكن لتطمح لمجرد التفكير فيها دون أن تستخدم هذا الإرهاب الغاشم اللعين ظانة أنه قد يحقق لها مكانًا في عالم اليوم ، غير أنها لا تدري أنها تحفر قبورها وقبور أبنائها بأيديها!!
كما أن بعض الدول قد تستخدمه في المكايدة السياسية أو لتأديب خصومها سياسيًّا ، أو لتفتيت دول وتمزيقها وإفشالها، أو لصالح قوي أخري تناصب هذه الدول المراد تفتيتها العداء ، وتدين لمن يدعمها بالطاعة والولاء!!
 وفيت محاولة منا لإلقاء الضوء حول صناعة الإرهاب آثرنا أن يكون مؤتمرنا الدولي الثامن والعشرون للمجلس الأعلي للشئون الإسلامية الذي يعقد أواخر فبراير الجاري تحت عنوان : اصناعة الإرهاب وحتمية المواجهة وآلياتها»‬، وتتضمن محاوره تحديد مفهوم الإرهاب، ومخاطره، وأسبابه ودوافع صناعته، وحتمية مواجهته، وآليات هذه المواجهة فكريًّا، وأمنيًّا، وثقافيًّا، وإعلاميًّا ، وإلكترونيًّا ، وتربويًّا، وأسريًّا، ومجتمعيًّا، محليًّا ودوليًّا، بمشاركة نخبة من أبرز العلماء والمفكرين والسياسيين والأدباء والإعلاميين والخبراء الأمنيين وعلماء النفس والاجتماع من مختلف دول العالم ، مع تمثيل عال للمؤسسات المعنية بمواجهة الإرهاب مع إيماننا بأن العالم أشبه ما يكون بقرية صغيرة ما يحدث في شماله سرعان ما تجد صداه في جنوبه، ولات يمكن أن يكون شرقه بمنأي عما يحدث في غربه أو شماله أو جنوبه أو في أية بقعة منه في عالم أسرع أدواته تقدمًا هي تكنولوجيا التواصل، موقنين بأنه لم يعد بمقدور أية مؤسسة دينية أو فكرية أو ثقافية أو أمنية مواجهة هذا الداء اللعين بمفردها، كما أنه لم يعد بوسع أية دولة منفردة مهما كانت درجة يقظتها أن تقضي علي الإرهاب قضاء محكمًا مبرمًا نافذًا، ما لم تكن هناك إرادة مجتمعية وإقليمية ودولية جادة وصادقة في محاربة الإرهاب وقطع دابره ودابر وأيدي مموليه وحاضنيه ومشجعيه وداعميه ماليًّا أو ثقافيًّا أو فكريًّا أو لوجيستيًّا .
ويجب علي المنظمات الدولية والوطنية الجادة أن تتعاون وأن تتضافر جهودها الفكرية والثقافية والأمنية والعسكرية في القضاء علي الفكر الإرهابي والجماعات الظلامية الإرهابية ، وأن تقوم كل جهة بمسئوليتها تجاه مواجهة الإرهاب دون أن نتبادل اتهامات التقصير، فتنفض كل جهة يدها، وتلقي بالتبعة والتقصير علي ما سواها ، وعلينا ألا نيأس من طول المواجهة، ولا حتي مما قد يصيبنا في سبيلها، ذلك أن أهل الباطل لا يعملون إلا في غياب أو تقاعس أهل الحق ، وإذا فرط أصحاب الحق في حقهم تمسك أصحاب الباطل بباطلهم، أما إذا تمسك أصحاب الحق بحقهم فإنهم لهم المنصورون لا محالة ، وذلك حيث يقول الحق سبحانه : اوَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ» ، ويقول سبحانه : ا بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَي الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ» ، ويقول سبحانه: اأَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّي يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَي نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ  ..
وعلي كل مؤمن بخطورة هذا الإرهاب اللعين أن يبدأ بنفسه في مواجهته، وبكل ما يستطيع ، سواء علي المستوي الفردي أم في نطاق المسئولية المؤسسية التي يتولاها، فقد علمنا ديننا المبادرة والمبادأة ، وأن نكون إيجابيين لا سلبيين حتي لا نندم حين لا ينفع الندم سواء في أمر ديننا أم في أمر دنيانا ، يقول نبينا »صلي الله عليه وسلم» : الا يكُنْ أحدُكُم إمَّعة ، يقول: إن أحسن الناس أحسنتُ ، وإن أساؤوا أسأت ، ولكن وطِّنُوا أنفُسَكم  إن أحسن النَّاس أن تُحسنوا، وإن أساءوا أن تُحسنوا.