روضة اللواء الإسلامي

ذو القــرنين


أعده للنشر:عادل أبوالمعاطي
2/17/2018 10:32:30 AM

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين، والحمد لله كما علمنا أن نحمد، وصلي الله وسلم علي سيدنا محمد رحمة الله للعالمين وخاتم المرسلين.
يقول الحق  سبحانه (ويسألونك عن ذي القرنين) لم يقل من هو شخص ذي القرنين، وإنما ذكر وصفه ولم يذكر إن كان وصفه بذي القرنين لأن له تاجاً ذا قرنين، أم لأنه ذهب لقرن الشمس في الشرق ولقرن الشمس في الغرب؟
يقولون: حتي إذا بزغ قرن الشمس. ألا نقول هكذا في التعبير؟
ذهب للشرق وذهب للغرب.
من هو؟ تكلم في هذا العلماء، هل هو الإسكندر المقدوني؟
لا فالكلام في الآيات عن رجل مؤمن (أما من آمن وعمل صالحاً) فله وله وله، والإسكندر المقدوني كان وثنياً وكان تلميذ أرسطو الفيلسوف هذا الاحتمال انتفي.
وأيضاً ذي يزن من اليمن جد تُبع، ياتري هو قورش؟
فاختلفوا، اختلافكم ليس له داعٍ، لماذا تريدون أن تصلوا لشخصية ذي القرنين؟ لو شخصتموه لامتنعت العبرة بموضوعه.
فاتركوها هكذا لأن العبرة هي في أن كل مُمكن في الأرض ما المطلوب منه؟ المطلوب من كل مُمكن في الأرض أن يفعل كذا وكذا سواء كان الإسكندر أو كان قورش أو كان ذي يزن. أي واحد.. إذن فتعبهم التاريخي في أن يشخصوه لو أراد الله أن يشخصه لشخصه ولو أراد أن يعرفه لعرفه لنا.
ولذلك رحم الله سيدنا الشيخ عبدالجليل عيسي رجح أن يكون ذو القرنين هو قورش لأنه كان رجلاً صالحاً من فارس، وأخذ هذا الكلام عن أبي الكلام آزاد وزير المعارف بالهند لأنه عمل تحقيقاً فيه وقال إنه قورش  الفارسي.
وأنا لايهمني من هو، يهمنا وضعه والذي يجازيه يعلم من هو، فالذي يتحدث عنه هو الذي يعلم من هو، فلم أشغل نفسي بمعرفته أنا أريده كأسوة وقدوة، والأسوة لاتشيع إلا اذا كانت غير مشخصة.
(ويسألونك عن ذي القرنين) عن قصته عن خبره عن تاريخه عن المهمة التي قام بها.
(قل سأتلوا عليكم منه ذكرا) سأتلو شرف ذي القرنين إن ربنا هو الذي يؤرخ له، ماهذا؟ ويؤرخ له تاريخاً يوجد في القرآن ويوجد في القرآن مُتحدّي به ومُتعبد بتلاوته ويأتي به بهذا الشكل!!
ويظل ذكره في القرآن إلي أن تقوم الساعة ويظل أثره فيما عمله أسوة لمن يعمل مثله ومن انتفع بخدماته، هل كل هذا يقال عن الإسكندر؟!
لا.. إنما يدل علي أن العمل الصالح مذكور عند الله قبل أن يُذكر عند الخلق. فيقول أنا الذي سأتلو عليكم منه ذكراً، ومادمت سأتلو عليكم في قرآن يُتلي ويُتعبد بتلاوته في قرآن محفوظ.
فهم لو صنعوا لأحد تمثالاً يمكن التمثال يقع أو يصبح قديماً وقد يعملون له كتاباً فيبلي، فأنا سأخلد ذكره بكلام مني وفي القرآن المُتحدّي به والمتُعبد بتلاوته ويقرأه الناس في القرآن وأنا الحافظ للقرآن.. فأي ذكر هذا؟
والذكر في القرآن، كلمة ذكر ترد لمعان متعددة. وسأتلو عليكم منه ذكراً، كلمة (منه) فلن أذكر لكم تاريخه كله، لابل سأذكر منه أجزاءً فقط. (إنا مكنا له في الأرض) مامعني التمكين في الأرض؟ التمكين أننا أعطيناه إمكانيات يستطيع أن يصرف بها كل أموره التي يريدها، لأنه مأمون علي تصريف الأمور علي حسب منهج الله. (إنا مكنا له في الأرض) وفي آية أخري يقول تعالي: (ولقد مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء). فالتمكين معناه إعطاء إمكانيات لكل غرض يريده فيصرف به الأمور، ولماذا مكناه؟ لأنه يعرفها علي حسب منهج الحق وهو مأمون علي أن تكون عنده الإمكانيات.(إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء) يريده أي من كل شيء يريده (سبباً) يوصله إلي مايريد، فأي شيء يريده أعطيناه أسبابه.. وهو عندما سمع هذا اتبع الأسباب ليصل إلي الغايات (فأتبع سبباً) لم يترك الأسباب وذهب للغاية، لا.
أعطيناه الأسباب ولما أعطيناه الأسباب أي الوسائل التي توصله إلي المراد من غاياته، فماذا فعل هو؟ أخذ هذه الحكمة والعظة والتمكين ونفذه، كل مايريد شيئا يذهب له فيأخذ بالأسباب.
(إنا مكنا له في الأرض) وكلمة (في الأرض) معناها أول ما توحي توحي بشيوع السياحة، فنحن لم نمكن له في هذه الأرض القطعة من الأرض علي وجه الخصوص، لا.
(مكنا له في الأرض) فحينما يذهب إلي مكان علي الأرض يكون مُمكنا (وآتيناه من كل شيء سبباً) أعطينا من كل شيء يريده سببا يوصله إليه (فاتبع سببا) فلايذهب للغاية إلا بالوسيلة التي قالها الله.
(حتي إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة) وهذا دليل علي أنه لم يكن في هذه المنطقة ولكنه دليل علي أنه آت من مكان هذا.
ومادام بلغ مغرب الشمس إذن هو قادم من المشرق.
وهل الشمس تغرب؟ هي تغرب  في عين الرائي في المكان الذي هو فيه المكان الواحد، فلو وقفنا نري الشمس ساعة  المغرب نجدها تغرب في الجيزة مثلاً أو تغرب في الإسماعيلية أو تشرق من هنا.
لكن لو سرنا للجيزة نجدها تغرب فيما بعد الجيزة ولو سرنا لما بعد هذا سنجدها تغرب فيما بعدها، ولو سرنا أكثر نجدها تغرب في إسكندرية ولو وصلنا اسكندرية سنجدها تغرب في البحر.
إذن غروبها في رأي العين، بمعني (غيابها) تغرب والشمس لاتغيب لأنها دائما مشرقة غاربة، تشرق علي جماعة في لحظة وتكون غاربة عن آخرين في لحظة أخري.
ولذلك قلنا تتعدد المشارق وتتعدد المغارب، وهذه أعطتنا دوران ذكر الله بكل الألسنة في كل الأوقات وقد قلنا نصلي العصر هنا.
وفي نفس الوقت غيرنا يصلي المغرب، وهنا يصلي، وهنا يصلي.
فالله مذكور في كل وقت بكل وقت، فلا ينتهي الظهر لله ولاينتهي الفجر لله ولاينتهي  المغرب لله، بل بالعكس لاينتهي الإعلام بواحدة منها.
فساعة يقول جماعة الله أكبر الله أكبر للأذان تكون جماعة أخري تقول أشهد أن لا إله إلا الله وجماعة ثالثة تقول أشهد أن محمداًَ رسول الله.
>>>
فالأذان لاينتهي أبداً. فيُصلي لله في كل وقت بكل وقت.
لذلك يقول أهل المعرفة وأهل الشطح: يازمن وفيك كل الزمان. يعني ياظهر وأنت فيك كل ظهر. فكل الأوقات فيك
(إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً فأتبع سبباً حتي إذا بلغ مغرب الشمس) أي في رأي العين وإلا فهي لا تغرب ابداً، فهي تغرب عن جماعة في مكان وتشرق علي آخرين في مكان آخر. (وجدها تغرب في عين حمئة) الحمأ هو الطين الذي اسود لكثرة وجوده في الماء فيسود، والتحقيق الذي قام به أبوالكلام آزاد ووافقه عليه المرحوم الشيخ عبدالجليل عيسي جزاه الله خيراً.. وافقه في أنه عند منطقة اسمها أزمير موجودة هناك العين الحمئة (ووجد عندها) أي علي شط العين قوماً.
(قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً) هذا تفويض، فلا يُفوض إلا  المأمون علي التصرف. قال له إما أن تعذب لماذا تعذب؟
تعذب لأنهم كانوا كفرة وكانوا وثنيين لم يكونوا مؤمنين بإله، قال له إما أن تؤاخذهم بكفرهم أؤ تتخذ فيهم حسناً.
ماهو وجه الحُسن الذي يريده الله أن يتخذه، يعني هبهم من أهل الغفلة وأرشدهم وانصحهم وعلمهم، وبعد هذا من تجده مصراً علي كفره عذبه ومن تجده محسناً فأحسن إليه.
فإذن هنا تفويض من الله إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً أي أمراً حسناً تأخذهم بالعظة الحسنة وتعرفهم وبعد ذلك تحكم علي تصرفاتهم فيما بعد لجواز أن يكونوا من أهل الغفلة فلا أحد قال لهم شيئاً.
(قال أما من ظلم فسوف نعذبه) كلمة (فسوف) هذه أعطتني علي أن هناك تفويضا بالاختيار، لأنه لو كان سيذهب يجدهم هكذا فليعذبه مباشرة فكان يقول (نعذبه) أو (سنعذبه) إذا كان الأمن قريباً أما (فسوف) فهي تدل علي التراخي أي سأعطيهم مهلة.. فـ (سوف) تعطي تسويفاً في التنفيذ، المهلة التي سيتخذ فيهم حسناً ليعظهم ويفهمهم الأمور المطلوبة من الله.
>>>
واظلم أنواع ظلم في القمة: (إن الشرك لظلم عظيم) وإن كان سيؤمن ويظلم فيما دون ذلك.
(أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلي ربه فيعذبه) أي أننا لن نعذبه علي قدر مافعل فنحن سنعذبه عقوبة دنيوية والعقوبات الدنيوية معمولة لماذا؟ من أجل موازنة حال المجتمع.
لأن غير المؤمن بالآخرة نمكث نخوفه بالآخرة وهو في الحقيقة غير مؤمن بالآخرة، ساعتها يفعل مايريد فنعطيه عذاباً: (إن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك)، وحتي هذا العذاب للأمم التي لاتؤمن بإله ولا تؤمن بقيامة عقوبة لهم.
(ثم يرد إلي ربه فيعذبه عذاباً نكراً) والشيء النكر الذي لم نألفه ولم نعتده، لأننا إن عذبنا فسنعذب بقدرتنا وطاقتنا ولكن الله سيعذب في الآخرة فهو سيعذب بعذاب غير معروف لنا.
(وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسني) نعطيه الجزاء الحسن وسنقول له من أمرنا يسراً) يعني نقول له كلاماً طيباً نشجعه وعندما نكلفه نكلفه بالأمر اليسير وليس الشاق عليه.
فهنا وضع أسس الجزاء وهو ميزان المجتمع، مجتمع بلا جزاءات ينتهي إلي فوضي وينتهي إلي تسيب كما نراه نحن فأي وزير أو مدير عندما لايستطيع أن يعاقب واحداً فتفسد المسائل أم لا؟. ومعاناة سوء الإدارة في مصر الآن من أننا لانستطيع أن نعاقب واحداً يحدث تسيباً أو لايحدث؟
وأيضاً فإن المكافآت التي نقررها قد يظفر بها الذي لايعمل ويظفر بها من يتقرب.
إذن ميزان اعتدال المجتمع (أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلي ربه فيعذبه عذاباً نكراً.. فأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسني وسنقول له من أمره يسراً).
مثلما نعمل نحن مكافآت تشجيعية وحفلات تكريم ونعمل للمجد مكافآت والعامل المثالي لكن تكون بحق.
(جزاء الحسني) الحسني أفعل تفضيل لـ(حسن) فإذا كنا سنعطيه الحسني أفلا نعطيه الحسن أم لا؟ فنعطيه الحسن الذي هو (وسنقول له من أمره يسراً) والحسني تكون في (وللذين أحسنوا الحسني وزيادة).
(ثم أتبع سبباً) ذهب ذو القرنين لشيء آخر (حتي إذا بلغ مطلع الشمس) فكما قلنا في (مغرب الشمس) نقول في مطلعها، وهي دائماً طالعة تطلع من مكان لكل واحد، كل واحد له مطلع وكل واحد له مغرب حسب اتساع أفقه.
(حتي إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع علي قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً).
الستر هو الحاجز بين شيئين وهو إما يقيني حراً أو يقيني برداً، فهو ذهب إلي قوم فوجدهم من المتبدين الذين يعيشون عراة كأواسط أفريقيا مثلا وليس لهم شيء يسترهم من الشمس ولا لهم بيوت يدخلونها فليس لهم مكان يأويهم لامن الحر ولا من البرد، ومثل هؤلاء يكونون متأخرين غير متحضرين، ومثل  هؤلاء يعطيهم الله في جلودهم تعويضاً، هذا التعويض يعطيهم الله في جلودهم  دفئاً في الشتاء وبرودة في الحر.
والإنسان في البيئة الواحدة وجهه غير مستور وله جسم مستور صدر وظهر وغيرهما، الوجه يقابل البرد والحر والشمس ربنا أعطاه التركيبة التي يستطيع بها تحمل الأجواء المختلفة، بدليل أنك إذا كشفت شيئاً لاينكشف في الأساس يقول لك ستأخذ برداً أو ضربة شمس.
مثل الحيوانات، فالحيوانات بجلودها تعيش في البرد وتعيش في الحر أم لا؟ يتكيفون هذا التكيف فلا يبحثون في شيء آخر.
وهؤلاء لمايتحضرون ويذهب إليه أناس يلبسون ملابس فيجدون في اللبس ستراً للعودة وزينة.
(حتي إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع علي قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً).
وهنا لم يقل عنها شيئاً فماذا فعل معهم؟ حضرهم؟ إن قسناها علي مافعل نقول إنه حضرهم ورقاهم وفعل لهم ما لايُفعل.. وبعضهم قال إنه ذهب إلي مكان من الأماكن التي يومها 3 شهور أو نهارها 6 شهور، فهناك أماكن هكذا، فالفترة التي صادفها لم يجد الشمس غائبة عنهم أبداً فلم تأت لهم إذن هو ذهب للشمال قليلاً.