روضة اللواء الإسلامي

حمـاية الأوطـان بين فرض العين وفرض الکفاية


2/17/2018 10:27:10 AM

الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه العزيز:{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، وأَشهدُ أنْ لاَ إلهَ إِلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ ، وأَشهدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عَبدُه ورسولُهُ ، اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَيه وعلَي آلِهِ وصحبِهِ ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَي يومِ الدِّينِ ، وبعــد :
فإن من واجب الوقت وفقه الأولويات ما يحتم علي جميع أبناء الوطن المخلصين المدركين لطبيعة المرحلة ، وحجم التحديات التي تتعرض لها البلاد أن يقفوا جميعًا صفًّا واحدًا للدفاع عن الوطن ، وحمايته من أي عدوان ، كيف لا؟  وحبُّ الأوطان والولاءُ لها طبيعةٌ فطريةٌ ، وشعورٌ غريزي ، فالانتماءُ إلي الوطن نعمة من أجل نعم الله علينا ، فالوطن هو مهد الإنسان ومرتع صباه ، فيه ولد ونشأ ، وعلي أرضه تربّي، ومن خيره ترعرع وكبر ، وإذا أردتم أن تعرفوا قيمة الوطن فاسألوا من فقد وطنه عن ذلك .
إن المتأمل في جوهر الرسالات السماوية ليلحظ بوضوح أنها جاءت داعية إلي حب الأوطان وجعلته فريضة دينية، فها هو نبي الله إبراهيم »عليه السلام»‬ يطلب في دعائه الأمن لأهله ووطنه ، فيقول كما يقصّ علينا القرآن الكريم:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}، ويوم أن أُخرِج النبيُّ »‬صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» من وطنه، وقف بالحزورة »‬تل مشرف علي مكة» وهو علي ناقته، يقول: »‬وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ لَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ»، وعندما استقر »‬صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» في المدينة تضرع إلي الله داعيًا : »‬اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ إِلَيْنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَي الجُحْفَةِ ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا وَصَاعِنَا»، فدعاء النبي »‬صلي الله عليه وسلم» لنفسه ولأصحابه بحب المدينة ، والمباركة في مدّها وصاعها يعلمنا حبَّ الأوطان ، وقيمة الانتماء إليها.  
 وكما أن حبّ الأوطان فريضةٌ دينيةٌ فكذلك حمايتها والدفاع عنها فريضة دينية، وواجبٌ وطني، ولا أدلّ علي ذلك مما قام به النبي »‬صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» من إبرام وثيقة المدينة بينه وبين الطوائف المختلفة التي كانت تسكن المدينة بهدف حمايتها والدفاع عنها ، وتُعرف تلك الوثيقة بمعاهدة الدفاع المشترك ، بل إن الجهاد في الإسلام ما شرع إلا لردّ الظلم والعدوان ، وحماية الأوطان والأعراض والمقدسات، فالحرب ليست غاية ولا هدفًا في الإسلام ، وأن التضحية بالنفس والمال دفاعًا عن الأوطان وحرماتها ومقدساتها، ونصرتها هو من صميم الجهاد في سبيل الله ؛ لذا فقد أعلي الله »‬عز وجل» من شأن من يبذلون أرواحهم في سبيل الله دفاعًا عن أوطانهم، فقال تعالي:{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ}.
 إن حماية الوطن، والدفاع عنه، والحفاظ علي أمنه واستقراره ضد قوي الشر منهج نبوي أصيل ، قام به النبي »‬صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» بنفسه ، وربّي عليه أصحابه، فعَنْ أَنَسٍ »‬رضي الله عنه» قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ »‬صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ المَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ »‬صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَي الصَّوْتِ ، وَهُوَ يَقُولُ : »‬لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا» وَهُوَ عَلَي فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْي مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ ، فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ ، فَقَالَ : »‬لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا».  
>>>
والمتدبر في سيرة النبي »‬صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» يجد أن جميع الغزوات التي شارك فيها النبي »‬صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» كانت دفاعًا عن الوطن وردًّا لعدوان أعدائه ، ففي غزوة أحد أراد المشركون أن يستبيحوا حرمة المدينة، وأن يعتدوا علي المسلمين في وطنهم، فخرج إليهم النبي »‬صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» وأصحابه ، ردًّا للعدوان ، ودفاعًا عن الأرض والوطن .
وفي غزوة الخنــدق اجتمعـت الأحـزاب من كل حــدبٍ وصـوبٍ لحصـار المدينـة والإغارة عليها , فكان القتـال دفـاعـًا عن النفس، والوطــن، والعرض، وفي »‬غزوة دومة الجندل» كانت قبائل المشركين بدومة الجندل تعدّ لاستهداف قوافل المسلمين بالمدينة ، وفي »‬غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ» كانت قبائلهم تعد للهجوم علي المدينة فخرج النبي »‬صلي الله عليه وسلم»  إليهم ردًّا لبغيهم وعدوانهم، وفي غزوة خيبر كان أهل خيبر هم الذين حزبوا الأحزاب ضدالمسلمين , وحرضوا بني قريظة علي الغدر والخيانة، ثم أخذوا في الاتصال بالمنافقين وبقبائل غطفان وأعراب البادية لتأليبهم علي المسلمين , وكانوا هم أنفسهم يستعدون لقتال النبي »‬صلي الله عليه وسلم» وصحابته, فكان لابد من مواجهتهم وكفّ شرهم .
 علي أنه ينبغي أن نعلم أن حماية الأوطان والدفاع عنها، إما أن يكون فرض عين وإما أن يكون فرض كفاية، ففي أوقات الأمن والاستقرار والطمأنينة يكون الدفاع عن الأوطان واستقرارها وسلامتها فرض كفاية، فتقوم القوة المتمثلة في رجال الجيش والشرطة البواسل بالدفاع عن الوطن وتأمينه، ويجب علي الناس أن يؤمنوا احتياجات الجيش والشرطة، وأن يقدموا لهم الدعم المادي والمعنوي، إسهامًا منهم في حماية الوطن والدفاع عنه ، أما في اللحظات الصعبة والحرجة التي تتعرض لها الأوطان بالفعل لمحاولات احتلال، أو غزو، أو عدوان، أو أية عمليات إرهابية، فإن الأمر يتحول من فرض الكفاية إلي فرض العين، أي أنه يجب علي كل أبناء الوطن أن يكونوا علي أهبة الاستعداد، فمن استُدعي وجب عليه أن يُلبي، وهو ما يسمي في العسكرية الحديثة بالتعبئة العامة ، حيث يكون الجميع علي استعداد في أي وقت لتلبية نداء الواجب الوطني .
وكذلك تقديم كل أنواع الدعم والمساندة لأفراد القوات المسلحة والشرطة في التصدي لمن يستهدفون، أو يهددون أمن الوطن واستقراره ، وهو صورة من صور التعاون التي أمرنا الله تعالي بها ، حيث قال : {وَتَعَاوَنُوا عَلَي الْبِرِّ وَالتَّقْوَي وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، والدعم إما أن يكون دعمًا مباشرًا ، بالنفس والمال، وإما أن يكون دعمًا غير مباشر، بالكلمة الطيبة، والدعاء الذي هو سلاح المؤمن، وأعظم جند الله، وإشاعة روح التضحية والفداء، وقيام كل إنسان بدوره، ومسئوليته التي كلفه الله تعالي بها، مع محاربة كل الشائعات التي تحاول النيل من حماة الوطن، وتصيب المواطنين باليأس والإحباط .
 وقد فَقِهَ الصحابة »‬رضي الله عنهم» ذلك فقدموا كلّ غالٍ ونفيسٍ لحماية وطنهم ودولتهم ، فهذا أبو بكر الصديق »‬رضي الله عنه»  يتصدق بماله كله في سبيل الله، وهذا عمر بن الخطاب »‬رضي الله عنه» يتصدق بنصف ماله، فيقول: أمرنا رسول الله »‬صلي الله عليه وسلم» يومًا أن نتصدق ، فوافق ذلك مالًا عندي ، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله »‬صلي الله عليه وسلم»: »‬مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» قلت: مثلَه، قال: وأتي أبو بكر »‬رضي الله عنه» بكل ما عنده، فقال له رسول الله »‬صلي الله عليه وسلم» : »‬مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» قال : أبقيت لهم الله ورسوله ، قلت: لا أسابقك إلي شيء أبدًا .
وما دُعي المؤمنون للدفاع عن وطنهم إلا لبّوا نداء الواجب الوطني، فما أحوجنا اليوم إلي استحضار هذه الروح وتجسيدها واقعًا عمليًّا ؛ لتحقيق الانتماء والولاء للوطن؛ وليكون ذلك مثالًا يحتذي به.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
>>>
الحمد لله رب العالمين، وصلاة وسلامًا علي خاتم أنبيائه ورسله سيدنا محمد (صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، وعلي آله وصحبه أجمعين.  
إخوة الإسلام:   
 إن حماية الأوطان لا تقتصر علي مواجهة العدوان , بل تمتد إلي مناهضة كل فكر متطرف ، أو محاولة لاستقطاب البعض لمصلحة أصحاب الأهواء المشبوهة، وكذلك المحافظة علي أسرارها الداخلية ، وعدم التعامل مع أعداء الوطن ، ومن يريدون به السوء، أو ينفثون سمومهم في أجواء المجتمعات بغيًا وعدوانًا، فواجب أبناء الوطن أن يكونوا عيونًا ساهرة لحماية أمن الوطن، وأن يتضامنوا في درء أي خطر يهددهم ، وأن يتكاتفوا لردع من تسول له نفسه أن يهدد هذا الوطن ، وأن يكونوا يدًا علي من سواهم .
وإننا من مكاننا هذا نوجه رسالة دعم وتأييد إلي أبناء الوطن الشرفاء من رجال القوات المسلحة والشرطة البواسل، ونقول لهم : لستم وحدكم ، فنحن جميعًا معكم وفي ظهوركم .