روضة اللواء الإسلامي

خواطر الشعراوي

لاتستعذ إلا بالله سبحانه وتعالي


عادل أبوالمعاطي
2/3/2018 12:55:02 PM

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين، سيدنا محمدوعلي آله وصحبه أجمعين، والحمد لله كما علمنا أن نحمد، وصلي الله وسلم علي سيدنا محمد رحمة الله للعالمين وخاتم المرسلين.
معني (أعوذ) الجأ وأعتصم واستجير.. والاستعاذة تقتضي مستعيذاً ومستعاذاً به ومستعاذاً منه، فالمستعيذ هنا المخاطب بالأمر (قل)، وهو سيدنا رسول الله.
والمستعاذ به رب الفلق سبحانه، والمستعاذ منه يتمثل في أمور أربع هي المذكورة بعد ذلك. وهي (من شرما خلق. ومن شر غاسق إذا وقب. ومن شر النفاثات في العقد. ومن شر حاسد إذا حسد) (الفلق: 2-5).
والحق سبحانه وتعالي في قوله (رب الفلق) أتي بالحيثية التي تقنعك وتشجعك علي أنك لاتستعيذ إلابه سبحانه، لأنه رب الفلق، والفلق إما الصبح الذي يفلق بنوره ظلمة الليل، والنور أبوالهداية وفيه نسير علي هدي وبصيرة.
فالق الحب والنوي
وإما أنه ماينفلق عنه الوجود والحياة مثل (فالق الحب والنوي) فرب الفلق هو رب الوجود الذي أبدع وخلق وذرأ وبرأ. وعلي أيّ من المعنيين فهو سبحانه الأحق والأولي أن نستعيذ به ونلجأ إليه. ثم يعلمنا سبحانه الأشياء التي ينبغي الإستعاذة منها، وأولها: (من شر ماخلق) (الفلق:2) وهذا يعني أن بعض ماخلقه الله فيه شر ولو في جانب من جوانبه. فما دام الشيء موجوداً فلا يكون خيراً محضاً ولاشراً محضاً، بل في زاوية من زواياه خير وفي زاوية أخري شر، فالحق سبحانه يعلمنا أن نستعيذ من الشر لتبقي لنا جوانب الخير. فلو نظرت إلي الأنعام والحيوانات التي سخرها الله للإنسان وذللها لخدمته تجد الجمل مثلاً، طفل صغير يقوده في حين تجد الثعبان الصغير يفر منه الرجال لماذا؟ لأن هذا ذلل وهذا لم  يُذلل. ذلك لتفهم أنك لم تذلل الجمل بقوتك وقدرتك، ولولا أن الله ذلله لك ما استفدت منه بشيء ولاقدرت عليه، فالمسألة إذن خلق وتذليل لاخلق فقط.
لذلك وقفوا عند قوله تعالي (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون. وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون) (يس: 71:- 72).
قالوا: فالملكية ناشئة عن التذليل، لا عن مجرد الخلق والتقدير (خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فذللناها لهم) (يونس: 71).. ولو كانت الملكية بمجرد الخلق لاستطاع الإنسان استئناس كل المخلوقات ولاستفاد منها.. ولا يخفي علي المتأمل في مخلوقاته" الله أن فيها جوانب خير وجوانب شر، فالسم في الثعبان مثلاً قاتل لشخص ودواء لشخص آخر، ولايوجد الشر من الثعبان إلا حينما يتعدي ما خُلق له، ونحن الذين نجعله يتعدي.. ثم إن المسألة ليست كلها تعدياً دائماً، لكن الحق سبحانه وتعالي يجعل في خلقه آيات تشعرك دائماً أنك محتاج إليه لاتستغني عنه مهما أوتيت من قوة، فيجعل من بعض مخلوقاته مايخرج عن نطاق الاستئناس ومايزعج الإنسان ويخيفه ليظل دائماً موصولاً بربه يطلب منه0 السلامة من هذه الأشياء.
من شر ماخلق
لذلك علمنا سبحانه أن نستعيذ به وحده لابغيره، لأنه سبحانه القادر أن يعيذنا وأن يعصمنا من هذه الشرور فتقول (أعوذ برب الفلق، من شر ماخلق) (الفلق: 1، 2).
وقوله سبحانه: (ومن شر غاسق إذا وقب) (الفلق:3) الغاسق: الليل (إذا وقب) أي إذا دخل الليل بظلمته في كل شيء.
ومادام قد دخل بظلمته في كل شيء فقد ستر عن الإنسان مظان الشر فلا يستطيع أن يتقيها كوحش مفترس أو عدو متربص أو غيره، فكل هذه الأشياء كان النهار يكشفها.
إذن قولنا: (ومن شر غاسق إذا وقب) ضرورية لأننا لا قوة لنا علي دفع هذه الأخطار عنا، صحيح أن (من شر غاسق إذا وقب) وأدخله في (من شر ماخلق) لكن ذكرت علي وجه التخصيص بعد التعميم لزيادة المزية في الأشياء.
ونقف هنا عن معني (غاسق) ومعني (وقب) لأن اللفظ له تاريخ وله مراحل، فالأصل في الغاسق: الدافق. والأصفي (وقب) الوقب النقرة في الجبل نتيجة المطر ينزل بشدة حتي يصنع حفرة، ولايحدث ذلك إلاإذا كان المطر غزيراً وشديداً ومستمراً.
والمطر لاينشأ إلا عن غيم وسحاب يكسو الجو، وأنت تستقبل الليل وفي نيتك أنه ظلام، لكن في النهار وأثناء طلوع الشمس تجد السحاب يكسو الجو حتي كأنه ظلام الليل، وبعد ذلك يأتي المطر.. فالملفت الظلمة تكون بالنهار، أما في الليل فأمر طبيعي، فكأنهم أخذوا الغاسق وهو الليل المظلم أو الظلام حين يتدفق ويشمل الكون من الماء الدافق الذي ينزل بشدة ويحدث النقرة في الجبل.
ومن شر النفاثات في العقد
وقوله سبحانه (ومن  شر النفاثات في العقد) (الفلق:4).
كلمة (النفاثات) تشعر بالتأنيث لذلك فسروها بأنها الساحرات أو النفس الساحرة سواء كانت لرجل أو إمرأة.
وقد وقف العقلانيون موقفاً من مسألتين هنا: مسألة السحر في قوله تعالي: (ومن شر النفاثات في العقد (الفلق:4) ومسألة الحسد في قوله تعالي: (ومن شر حاسد إذا حسد) (الفلق:5).
فأنكروا هذين الأمرين لأنهما لايخضعان لقضية عقلية عندهم. وهذه المدرسة العقلانية كانت لها نية حسنة في بداية العصر الحاضر والنهضة بواسطة الغرب وفتنت العقول بهذه الأشياء. وقد جاء الإسلام في بعض قضاياه الغيبية بما لايقع تحت نطاق العقل، فأراد هؤلاء العقلانيون أن يقربوا المسائل العقدية التي لاتتفق مع منطق العلم التجريبي الواقعي ومنطق الأشياء، فساروا يؤولون فيها.
وكأنهم أرادوا أن يبرزوا كل قضايا الدين وأنها بصورة أو بأخري تدخل تحت نطاق التجربة، ولو كانت مسائل العقيدة بهذه الصورة لما احتاجت المسائل إلي رسول ولا الإيمان بإله وهل لابد أن نخضع كل المسائل للتجربة؟
فالكهرباء مثلاً أكان فيها كهرباء روسي وكهرباء أمريكاني؟
إذن الأمر الذي خضع للتجربة والتفعيل العلمي لاخلاف فيه، لكن مادمت قد تدينت وآمنت بإله وله من الصفات كذا وكذا، إذن لايكون عقلك حجة علي ماخلق هذا الإله.
فمن هذه المخلوقات مالاتعرفه أنت ولايقع تحت حواسك، والعقل يطمئنك علي سلامة هذه القضية، لأن كثيراً من الأشياء كانت موجودة لكن لم تكن تدخل تحت نطاق العقل والتجربة.. ثم لما أذن الله لها عرفها العقل وخضعت للتجربة كما رأينا في ظاهرة الكهرباء وفي الميكروبات وغير ذلك، ولم يكن أحد يصدق وجود هذه الأشياء.. فلماذا لايكون الغيب في الماضي الذي صار مشهداً الآن وسيلة للمؤمن في أن عقله ليس حجة في الحكم علي وجود الأشياء أو عدم وجودها.
كن منطقياً مع عقلك
إذن كن منطقياً مع عقلك فأنت الآن تشاهد أشياء كانت غيباً عنك بالأمس، ولو حدثت بها قبل ذلك ماكنت تصدقها.
فالعقل إذن ليس مقياساً لفهم الأشياء بل يفهم العقل علي قدره ومهمته أن يوثق الخير أصدر عن الله أم لا، فإن آمنت أنه صدر من الله فلا تناقش في الكيفية لأنك آمنت بقضية القمة، وأوضحنا أن الغيب علي ضربين: غيب موقوت جعل الله له مقدمات توصل إليه حين بأذن سبحانه بذلك يكشفه لنا، فنعرفه عن طريق اكتشاف أو اختراع أو حتي مصادفة. وغيب مطلق لايطلع عليه أحد، وهذا النوع ليس له مقدمات توصل إليه.. يقول تعالي عن النوع الأول: (ولايحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) (البقرة:255) فنسب الإحاطة للبشر لكن بإذنه تعالي.. وقال في النوع الأخر: (عالم الغيب فلا يظهر علي غيبه أحداً إلا من ارتضي من رسول) فلم يجعل لبشر فاعليه فيه ولا ارتباط به، فليس له مقدمات توصل إليه، بل هو سبحانه يتفضل ويعطيك هذه المقدمات.
إذن نقول للذين ينكرون السحر: إنكارهم هذا يصادم النص القرآني ويصادم الأحاديث الصحيحة، وهذا لايصح فلا إجتهاد مع النص أبداً، بل يجب عليك أن تستعمل العقل إن كان ماهراً في تقريب الأشياء التي يمسونها العلم البرزخي.
وإلا ماذا نقول في أمثال قوله تعالي: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَي مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَي الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّي يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}.. (البقرة:102).
كأن هناك صفقة، والصفقة ليست من اجتهاد البشر، بل علوية التعليم، فالحق سبحانه وتعالي يريد أن يلفتنا إلي قضية أن الجن وإن كان له قانون أخف من قانون البشر، أنت لاتقدر أن تنفذ من الحائط كما ينفذ الجن، أنت بالنسبة للمسافة والزمن لها عندك مقدار. أما الجن فليس له عنده مقدار، الجن يستطيع أن يتغلغل فيك ويجري منك مجري الدم في العروق، فمن الذي أعطاه هذا القانون؟ خالقه سبحانه الذي خلقه علي هذه الطبيعة النارية.
أما الإنسان فخلقه من طين، ففيه كثافة الطين وهو فيه شقافية النار، فلكل طبيعته.. فالحق سبحانه يريد أن  يلفتنا إلي أن العنصر لايتحكم بدليل أن الحق سبحانه يستطيع أن يهب الأدني خواص الأعلي، فالمسألة ليست عنصراً يتحكم، هو عنصر بقانون السببية يعطي، لكن حينما يريد الحق يعطي للأدني.. ولذلك قلنا في قصة سيدنا سليمان عليه السلام لما قال: (أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين) (النمل:38) لم يتكلم بشر عادي إنما تكلم عفريت من الجن، لأن في الجن الماهر وفيه (اللبخة) مثل الإنسان، كذلك لم يتكلم جني عادي ولا إنسي شاطر.. إذن نحن أمام حالات ثلاثة لم يتكلم منهم أحد، إنما تكلم غفريت من الجن يعني الماهر منهم، لأن طرح السؤال نفسه مخيف: (أيكم يأتيني بعرشها قبل أن  يأتوني مسلمين) (النمل38).. وهذا يعني بلغة الخير أن بلقيس وركبها قد فصلوا فعلاً من اليمن وهم في الطريق إليهم، فالمدة المتبقية لفك العرش ونقله إلي سليمان فترة قصيرة تستدعي مهارة فائقة.
لذلك لما تكلم العفريت حدد الزمن الذي يناسبه فقال: (أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) (النمل:39).
أما الذي عنده علم من الكاتب وهو من الإنس فأعطي زمناً آخر يناسب قدراته فقال (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) (النمل:40) فجاء قانون الإنس الذي يعلم أقوي من قانون العفريت من الجن.. وهذا يعني الجن لم يأخذ ميزة المهارة من عنصر تكوينه، إنما هي هبة من الخالق سبحانه يهبها من يشاء من خلقه، فهو القادر سبحانه أن يعطي الأدني قوة وهو الإنسان مايفوق قوة الأعلي وهو الجن.. وهذا واضح في قوله تعالي: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَي مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَي الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) (البقرة:102).
قوة أعلي
إذن الملكان أعطوا للجن والجن يعطي للإنس مثل مسألة تكافؤ الفرص الآن، فأنا إنسان وأنت إنسان، والذي يجعلني ويجعلك تسير في حركة الحياة بأدب أن نجد قوة أعلي تلزمني وتلزم.. ولو أنني إذا ضربت شخصاً جاء من هو أقوي مني وضربني أقف عند حدودي، إذن تكافؤ الفرص هو الذي يحفظ التوازن في المجتمع من  تكافؤ العناصر.
ونحن الآن جالسون وليس معنا أسلحة ولامسدسات فلو دخل علينا واحد ومعه مسدس يمكن أن يهددنا جميعاً ويطغي علينا بقوته، لكن لو عرف أننا جميعاً نحمل مثله مسدسات لما تجرأ علينا، فالطغيان ينشأ من عدم تكافؤ الفرص، ولو تكافأ الناس لعاشوا بقانون واحد ومقام واحد.
فالحق سبحانه وتعالي جعل الجن أقوي منا، لكن قال لنا: أنا بقدرتي استطيع أن أعطيك قوة تفوق قوة الجن، فتسيطر أنت عليه، لكن انتبه فليس هذا في صالحك لأنه سيعطيك قوة فوق قوة بني جنسك، وهذا يحدث خللاً في تكافؤ الفرص بين الأشخاص فيحدث الطغيان والاعتداء.
وسبق أن بينا أن الإنسان قد يتعرض لحمل الأمانة وقت الأخذ لكن نأتي عليه وقت الأداء فلا يستطيع.
مثلا رجل يحمل مسدسا ويقول: أن لا أستعلمه إلا في الدفاع عن نفسي أو ضد اللصوص مثلاً، لكن قد يتعرض لموقف يجعله يخرج مسدسه ويرتكب به جريمة دون أن يشعر ولايستطيع عندها التحكم في تصرفاته ومشاعره.
لذلك قال (ومايعلمان من أحد حتي يقولا إنما نحن فتنة) (البقرة:102) نعمه فتنة لأننا سنعلمك شيئا تكون به أقوي من بني حنسك. وقد تتفرعن بهذه القوة وتطغي بها عليهم.
علمني السحر
لذلك بعض الناس يقول علمني السحر فسوف أستخدمه في الخير، وكل الذين طلبوا تعليم السحر قالوا هذا، وبعد أن تعلموه استعملوه في الشر وفي الإضرار بالناس.
ثم من جهة أخري نقول: هل إذا تعلمت السحر وصارت لك هذه القوة التي تستطيع أن تفعل بها كل شيء هل تغير ماقسمه الله لك؟ لذلك تجد المشتغلين بهذا العمل والعياذ بالله فقراء بائسين حتي في سحنتهم وأشكالهم أشبه ماتكون بأشكال العفاريت.
ويموت الواحد منهم وليس يملك إلا الثوب الذي يلبسه، حتي تجدهم مصابين في صحتهم أو في أولادهم وغير ذلك، مع أن الواحد منهم كان يظن أن تعلمه للسحر سيجعله أغني القوم وأغرهم ، فإذا به ينتهي به الحال إلي أفقرهم وأذلهم.
لذلك القرآن يلفتنا هذه اللفتة، فيقول جل وعلا : (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا) (الجن:6).
وإلي لقاء آخر إن شاء الله