روضة اللواء الإسلامي

خطــورة النفــاق وعــلاماته


2/3/2018 12:52:46 PM

الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه الكريم: ( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون)، وأشهد أن لا إله الله وحدهُ لاشريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلي آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين، وبعد:
فمما لاشك فيه أن النفاق داءٌ عضالٌ، ووباء قتال، مهلكٌ للأفراد والأمم، فهو من أخطر الأمراض القلبية التي تعصف بحقيقة الإيمان، وتنقض أسسه، وتهدم أركاته، وهو آفة اجتماعية وخلقية خطيرة تهدد أمن المجتمع وسلامته واستقراره، لذا فإن خطره أشد من خطر الكفر والشرك، لأنه داء إذا دب في جسد الأمة نخر عظامها، وفرق كلمتها.
وحقيقة النفاق: أن يظهر الإنسان خلاف ما يبطن، فقد يظهر الإيمان ويبطن الكفر، وقد يظهر المودة ويبطن الكراهية، وقد يظهر الفرح والحب ويبطن الحقد والحسد، أو يظهر الخير ويبطن الشر إلي غير ذلك من صور النفاق المعروفة للناس.
ولقد فضح الله (عز وجل) المنافقين، وكشف أمرهم، وأظهر مكرهم وكيدهم فيما يقرب من ثلاثمائة وأربعين موضعاً في القرآن الكريم، إضافة إلي تسمية سورة كاملة بإسمهم إظهاراً لأوصافهم، وبياناً لعظيم خطرهم، وهي سورة (المنافقون)، والتي يقول الحق سبحانه وتعالي فيها: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
علي أنه ينبغي أن  نعلم أن النفاق نوعان: أكبر، وأصغر، النوع الأول: النفاق الأكبر وهو أخطر النوعين، وهو النفاق الاعتقادي الذي يظهر صاحبه الإسلام ويبطن الكفر، وهذا النوع، يُخلد صاحبه في النار، بل يجعله في الدرك الأسفل، النوع الثاني: النفاق الأصغر: وهو النفاق العملي وهو انحراف في السلوك، والتلبس بشيء من علامات المنافقين، وذلك بأن يظهر الإنسان الصلاح ويبطن ما يخالف ذلك، وهذا النوع لايخرج من الدين بالكلية، إلا أنه طريق إلي النفاق الأكبر، إن لم يتب منه صاحبه.
>>>
أن المتدبر لآيات القرآن الكريم، وماصح عن النبي (صلي الله عليه وسلم) في بيان حال المنافقين، ووصف أفعالهم يتضح له جلياً تلك العلامات والأمارات التي تُعرف بها هذه الفئة من الناس، ومن أهم هذه العلامات التي يعرف بها المنافقون:
> الكذب وخلف الوعد، وخيانة الأمانة، والفجور في الخصومة: وهي من أقبح صفات المنافقين التي وصفهم بها النبي (صلي الله عليه وسلم)، وهي من النفاق العملي الذي بينه النبي (صلي الله عليه وسلم)، حيث قال (صلي الله عليه وسلم): (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان، وفي رواية: (وإذا خاصم فجر، فمن اجتمعت فيه هذه الخصال، أو خصلة واحدة منها كان منافقاً، وهذ الصفات تعبث بمصالح الأمة، وتهدف إلي هدمها.
وأول هذه العلامات الكذب: فكثيراً ما نري المنافق يكذب ليوهم الغير بصدق قوله وفعله، قال تعالي: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله علي ما في قلبه وهو ألد الخصام).
وأما خلف الوعد وخيانة الأمانة فيترتب عليهما قطع لأواصر المحبة، وتباغض يفضي إلي النزاع والشقاق، وفساد في المعاملات، فقال: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة: (رجل أعطي بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفي منه ولم يوفه أجره)، والفجور في الخصومة صفة ذميمة حذر الإسلام منها، فهي جماع كل شر، وأصل كل ذم، وطريق للميل عن الحق، فيجعل الحق باطلاً، والباطل حقاً، وقد سمي الله) (عز وجل) الفجور  في الخصومة لداً، قال تعالي: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله علي ما في قلبه وهو ألد الخصام)، فعن عائشة (رضي الله عنها) عن النبي (صلي الله عليه وسلم) قال: (إن أبغض الرجال إلي الله الألد الخصم).
فأهل النفاق أقرب وصف لحالهم أنهم ذوو الوجهين، بل نراهم في زماننا قد تجاوزوا حدود ذلك بكثير، فصار لهم ألف وجه ووجه، وهم شرار الخلق، قال (صلي الله عليه وسلم): (تجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه).
>>>
> ومن علامات النفاق أيضاَ الكسل عن أداء العبادة، والرياء عند فعلها، وقال (صلي الله عليه وسلم): (ليس صلاة أثقل علي المنافقين من الفجر والعشاء ولو يعلمون ما فيهما لاتوهما ولوحبوا)، وعن جابر بن عبدالله (رضي الله عنهما) قال: خرج النبي (صلي الله عليه وسلم) فقال: (يا أيها الناس إياكم وشرك السرائر) قالوا: يارسول الله وما شرك السرائر؟ قال: (يقوم الرجل فيزين صلاته جاهداً لما يري من نظر الناس إليه، فذلك شرك السرائر).
> ومن علامات النفاق: التحالف مع الأعداء والتواصل معهم علي حساب الدين والوطن، بالتجسس، ونقل الأخبار والمعلومات، والإفصاح عن أسرار الوطن، فالمنافق عميل يوالي أعداء وطنه علي حساب أهله وجبرانه وأقربائه،
ويكفي النفاق شراً وشؤماً علي صاحبه أن  محبط لعمله، مهما بدا هذا العمل في أعين الناس عظيماً، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلي الله عليه وسلم): (إن الله تبارك وتعالي إذا كان يوم القيامة نزل إلي العباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية، فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل يُقتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول للقاريء: ألم أعلمك ما أنزلت علي رسولي؟ قال: بلي يارب، قال: فماذا عملت فيما عُلمت؟ قال: كنت أقوم به أثناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت. وتقول الملائكة: كذبت بل أدرت أن يُقال:  قارئ - وقد قيل - فيؤتي بصاحب المال. فيقول الله: »ألم أوسع عليك حتي لم أدعك تحتاج إلي أحد، قال: »‬بلي - فقال: وماذا عملت فيما آتيتك قال: كنت أصل الرحم وأتصدق. فيقول الله: »‬كذبت»‬، وتقول الملائكة: كذبت فيقول الله: »‬بل أردت أن يقال: فلان جواد، فقد قيل ذلك - ويؤتي بالذي قتل في سبيل الله - فيقال له: فيم قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتي قتلت فيقو الله: »‬كذبت» وتقول له الملائكة: »‬كذبت» ويقول الله عز وجل: »‬بل أردت أن يقال: فلان جريء، فقد قيل ذلك». تم ضرب رسول الله (صلي الله عليه وسلم) علي ركبتي، فقال: (يا أبا هريرة! أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة).
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
>>>
الحمد لله رب العالمين وصلاة وسلاماً علي خاتم أنبيائه ورسله سيدنا محمد (صلي الله عليه وسلم)، وعلي آله وصحبه أجميعن.
إخوة الإسلام:
تأتي أهمية الحديث عن النفاق في هذا الوقت لبيان أن علامات النفاق من الكذب، والخيانة والغذر، ونقض العهود والمواثيق، وتأليب الرأي العام، وخيانة الدين إنما هي صفات المنافقين قديماً وحديثاً، غير أن المنافقين الجدد قد ضموا إلي ذلك ضروباً جديدة من الخداع، أبرزها لبس مسوح الدين، والمتاجرة به، واستغلاله لتحقيق مصالح الجماعات التي تريد أن تتخذ من الدين مطية إلي السلطة، متدثرة في ألوان شتي من التدين الشكلي والتدين السياسي، فينسبون الإيمان لأنفسهم وينفونه عن غيرهم، سعياً منهم لتوفير الغطاء الشرعي لأعمالهم، إضافة إلي ما يتسم به المنافقون الجدد من خيانة الوطن وتحقيره وبيعه بثمن بخس.
لقد توعد الله (عز وجل) هذا الصنف من الناس بأن الدائرة عليهم، وأن غضب الله يحيق بهم في الدنيا والآخرة، وأن مايخططون له من إيقاع المسلمين  في الشدة والعنت سيعود عليهم، قال تعالي: (ولا يحيق المكر السييء إلا بأهله)، وعاقب الله (عز وجل) أصحاب النفاق الأكبر بالتردد وعدم الإستقرار ، والهلع والفزع عند كل أمر، قال تعالي: (مذبذبين بين ذلك إلي هؤلاء ولا إلي هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا)، وقال سبحانه: (يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أني يؤفكون)، وصرف الله (عز وجل) عن فهم عن الله تعالي وعن رسوله صلي الله عليه وسلم قلوبهم هدي، ولايخلص إليها خير، قال تعالي: (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع علي قلوبهم فهم لايفقهون)، وأما عن عقابهم في الآخرة فقال الله تعالي: (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا علي النفاق لاتعلمهم نحن  نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلي عذاب عظيم)، فالعذاب الأول في الدنيا، والعذاب الثاني في القبر، أما العذاب الأكبر ففي الآخرة، حيث يجمع الله المنافقين مع من كانوا علي شاكلتهم من خصال الشر في النار، قال الله تعالي: (إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً)، ويقول سبحانه: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا، إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً).
اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعيننا من الخيانة، وألسنتنا من الكذب، واحفظ مصر وأهلها.