روضة اللواء الإسلامي

خطبة الجمعـة : الشهامة والمروءة والتضحية


1/27/2018 12:08:12 PM

الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه العزيز:{وَتَعَاوَنُوا عَلَي الْبِرِّ وَالتَّقْوَيٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ»‬، وأَشهدُ أنْ لاَ إلهَ إِلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وأَشهدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عَبدُه ورسولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَيه وعلَي آلِهِ وصحبِهِ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَي يومِ الدِّينِ، وبعد:
فإن من محاسن الأخلاق، وكريم الطباع التي إذا تحلي بها المسلم كانت دليلاً علي علو همته، وصفاء نفسه، ورقة قلبه، وشعوره بالآخرين، الشهامة والمروءة والتضحية، وهذه صفات إن دلت فإنما تدل علي الجود والكرم والسخاء، وبها ينتشر الود والمحبة والترابط بين أفراد المجتمع، وبها تسمو الأمم وتعلو الأوطان، وذلك لأن تقديم العون والنصرة لمن يحتاج إليهما سلوك إسلامي أصيل، وخلق رفيع، تقتضيه الإنسانية.
ولقد حثنا القرآن الكريم علي فعل الخير، وبيّن أن الشهامة والمروءة والتضحية طريق الفلاح والنجاح، وقرن الدعوة إليها بالدعوة إلي عبادة الله (عز وجل) وطاعته، فقال تعالي: »يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ».
والمتدبر لآيات القرآن الكريم يجد أن فعل الخير عموماً من أعظم أخلاق الأنبياء والمرسلين، ففي سورة الأنبياء يصف ربنا سبحانه وتعالي سبعة عشر نبياً من أنبيائه بقوله تعالي: »‬إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ».
ولقد كان النبي (صلي الله عليه وسلم) أنموذجاً كاملاً في المروءة والشهامة قبل البعثة وبعدها، يتصدر المواقف بيقين ثابت، وإيمان راسخ، وإنسانية راقية، وشهامة  ومروءة ونبل، ونفس مطمئنة لا يعتريها فزع أو خوف، و هاي هي السيدة خديجة (رضي الله عنها) تشهد للنبي (صلي الله عليه وسلم)، وتصف حاله قبل البعثة قائلة: »‬....  أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتُقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَي نَوَائِبِ الْحَقِّ».
وعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال: كان رسول الله »‬صلي الله عليه وسلم» أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، قال: وقد فزع أهل المدينة ليلة سمعوا صوتا، قال: فتلقاهم النبي »‬صلي الله عليه وسلم» علي فرس لأبي طلحة عري »‬وما عليه سرج» وهو متقلد سيفه، فقال: »‬لم تراعوا، لم تراعوا» أي: لا تخافوا ولا تفزعوا، وسأل رجل البراء »‬رضي الله عنه» فقال: يا أبا عمارة، أو ليتم يوم حنين؟، قال البراء: أما رسول الله »‬صلي الله عليه وسلم» لم يول يومئذ، كان أبوسفيان بن الحارث آخذا بعنان بلغته، فلما غشيه المشركون نزل، فجعل يقول: »‬أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبدالمطلب» قال البراء: فما رئي من الناس يومئذ أشد منه »‬صلي الله عليه وسلم».
ولقد رغب النبي »‬صلي الله عليه وسلم» في التحلي بهذه الأخلاق الراقية، والقيم النبيلة ودعا إليها، فقال »‬صلي الله عليه وسلم»: »‬من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتي تروا أنكم قد كافأتموه»، بل وعد النبي »‬صلي الله عليه وسلم» ذلك من أحب الأعمال إلي الله (عز وجل)، فقال »‬صلي الله عليه وسلم»: »‬أحب الناس إلي الله تعالي أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلي الله تعالي سرور تدخله علي مسلم، أو تكشف عنه كربه، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن اعتكف في هذا المسجد - يعني مسجد المدينة - شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشي مع أخيه في حاجة حتي يتهيأ له ثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام».
وقد حذر النبي »‬صلي الله عليه وسلم» من التخاذل وترك نصرة الضعفاء والمظلومين، فقال: »‬ما من امريء يخذل امرأ مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امريء ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته» ولله در القائل:
إني لتطربني الخلال كريمة    طرب الغريب يأوبة وتلاقي
وتهزني ذكري المروءة والندي    بين الشمائل هزة المشتاق
فإذا رزقت خليقة محمودة    فقد إصطفاك مقسم الأرزاق
فالناس هذا حظه مال وذا    علم وذاك مكارم الأخلاق
وقد تحلي أصحاب رسول الله »‬صلي الله عليه وسلم» والتابعون من بعدهم بكريم الخلال من النجدة والشهامة والمروءة والنبل والإيثار، فعن أبي هريرة »‬رضي الله عنه» أن رجلا أتي النبي »‬صلي الله عليه وسلم» فبعث إلي نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله »‬صلي الله عليه وسلم»: »‬من يضم أو يضيف هذا»؟ فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلي امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله »‬صلي الله عليه وسلم» فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلي رسول الله »‬صلي الله عليه وسلم»، فقال: »‬ضحك الله الليلة، أو عجب من فعالكما»، فأنزل الله تعالي قوله: »‬وَيُؤْثِرُونَ عَلَي أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ».
إن الشهامة والمروءة والتضحية والإيثار، وفعل الخير عموماً يزيد من لحمه التماسك والترابط الوطني والاجتماعي، ويزرعان المودة، والمحبة، والصفاء بين أفراد المجتمع، وهذا ما أشار إليه النبي »‬صلي الله عليه وسلم» حينما نهي عن التباغض، والتحاسد، والتقاطع، والتدابر.
إن الأخوة الدينية والإنسانية تقتضي أن يقف كل منا بجوار أخيه، وأن يساعده، وأن يكون في عونه، وذلك لا يتحقق إلا بالتخفيف عن بعضنا البعض، بنجدة بعضنا لبعض، بمروءة وشهامة بعضنا مع بعض، وقد رغب النبي »‬صلي الله عليه وسلم» في ذلك، فعن عبدالله بن عمر (رضي الله عنهما) أن رسول الله »‬صلي الله عليه وسلم» قال: »‬المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة».
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
>>>
الحمد لله رب العالمين، وصلاة وسلاماً علي خاتم أنبيائه ورسله سيدنا محمد »‬صلي الله عليه وسلم» وعلي آله وصحبه أجمعين.
أخوة الإسلام:
إن أهل النجدة والمروءة والشهامة هم أصحاب التضحيات الغالية، الذين يترجمون المشاعر والعواطف الإنسانية النبيلة إلي سلوك وعمل فيه نصرة للمظلوم، وإغاثة للملهوف، وإطعام للجائع، وتأمين للخائف وغير ذلك، وتتأكد هذه القيم والأخلاق وتسمو فيما بين الإنسان وبين وطنه، ولم لا؟ وحب الوطن والانتماء إليه هو أغلي ما يملكه الإنسان بعد الإيمان بالله ورسوله »‬صلي الله عليه وسلم»، فإن حب الوطن فطرة فطر الله الناس عليها، وقد أشار الله (عز وجل) إلي منزلة الأوطان في النفوس وحجم المشقة المترتبة علي ترك الوطن حينما قرن بين قتل النفس وترك الوطن، فقال تعالي: »‬وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا».
فلاشك أن الدفاع عن العرض والأرض والكرامة كل ذلك يأتي في أعلي درجات التضحية والشهامة والنجدة والنبل، فإن أعلي درجات الجود هي الجود بالنفس والتضحية في سبيل الوطن.
ولقد بشر النبي »‬صلي الله عليه وسلم» حراس الوطن بالأمن من النار يوم القيامة، فقال »‬صلي الله عليه وسلم»: »‬عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» فالتضحية من أجل الوطن والحفاظ علي نسيجه، والتكاتف في سبيل حمايته والدفاع عنه واجب شرعي وضرورة وطنية؛ لتحقق العزة والكرامة.
ومما لاشك فيه أن ما تقوم به قواتنا المسلحة الباسلة ورجال الشرطة البواسل في مواجهة الإرهاب، والحفاظ علي أمن الوطن واستقراره أمر يستحق التقدير والدعم والمساندة، مع تأكيدنا علي أن أمن الأوطان مسئولية مجتمعية يجب أن نتعاون جميعاً فيها بما يحقق هذا الوطن واستقراره، ويرد كيد الخائنين والمتربصين به في نحورهم.
وإذا تقرر هذا الحق للوطن، فإن حمايته من أي خطر داخلي يقوض بنيانه، أو يزعزع أركانه، أو يروع مواطنيه، أو ينتهك حرماته هو صنو الدفاع عنه ضد أي خطر خارجي؛ لذا وجب علينا جميعاً أن نعلم أن الدفاع عن الوطن وحمايته والحفاظ علي استقراره، والتضحية من أجله من أعلي صور النجدة والشهامة والمروءة، وعنوان الإيجابية في حياة الإنسان، التي تعني الاستجابة والتلبية السريعة لقضاء حوائج الناس ابتغاء مرضاة الله (عز وجل).
اللهم احفظ مصر وأهلها من كل مكروه وسوء.