تجليات الشعــراوى

الاحتفال بالمناسبات.. ومباديء الإسلام (٢)


عادل أبو المعاطي
3/17/2018 11:49:56 AM

لذلك أمنت تجارتهم في الشمال وأمنت تجارتهم في الجنوب، لماذا؟ لأن أية قبيلة في هذين الاتجاهين لا يمكن أن تتعرض لقبيلة قريش لأنها ستصير في يوم من الأيام بين براثنها، لذلك أخذت قريش هذه المهابة وأخذت السيادة علي الجزيرة فشاء الله أن تكون صيحة الإسلام في أذن هذه السيادة المتجبرة المستعلية الطاغية.
لم تجيء الصيحة بالإيمان في أمة ضعيفة أو في قبيلة ضعيفة يقول القائل: لماذا؟ كانت الصيحة الأولي في مكة؟ ولماذا كان الإشعار الحق من المدينة؟
لماذا لم تكن في المدينة أولا؟
لا.. لابد أن تصدع آذان الفئة الباغية بمنطق الله وبمنهج الله.. ولكن لايجب أن يكون النصر من هذه المنطقة لأنه لو كان النصر للإيمان من منطقة السيادة القرشية لقال قائل:
إن العرب جاملوا قريشا في أن تمسكوا بدين آمنوا به، حينئذ تكون العصبية لمحمد هي التي خلقت الإيمان بمحمد، فشاء الله أن تجيء النصرة من المدينة لتعلم الدنيا كلها أن الإيمان بمحمد هو الذي خلق العصبية لمحمد ولم تخلق العصبية لمحمد الإيمان بمحمد.
وحين تكون الصيحة في أذن السادة الطاغية المتجبرة من قلة ضعيفة هنا يجب أن نتنبه إلي أن الضعيف مهما ضعف يجب أن يكون قويا بالحق لأنه إذا صاح في أذن السيادة وهو ضعيف مشهور الضعف وهذه السيادة طاغية مشهورة الطغيان علم أن الضعيف لايصيح هذه الصيحة وهو يعلم بضعفه وقوة خصمه إلا إذا كان مستندا إلي ركن رشيد أعلي من ذلك.
فليس من العقل ولا من العدل مع النفس أن يرمي الإنسان نفسه في التهلكة دون أن يكون له رصيد من قوة تمنعه، تمنعه من ماذا؟ من طغيان إن أرادوه. وإن لم يصد عنه الطغيان كان علي يقين من أنه سيلقي عند الله أضعاف أضعاف ما فاته من هذه الحياة.إذن يجب أن يعلم الضعيف أنه حين ينطق بكلمة الحق يستند إلي ركن أعلي، هذا الركن الأعلي كان من الممكن أن ينشر الحق بدون حاجة إلي عبيده.
ولكن الله لايريد أن برغم قوالب وأجسادا وإنما يريد أن يقنع القلوب، لذلك لم ينشأ في الإيمان مبدأ الإكراه وإني أحب أن أفرق بين الإيمان ومطلوب الإيمان، لأن هناك خطأ شائعا بين الناس حين تقول له: صل أو تقول له: أد زكاتك. أو تحرم عليه خمرا يقول لا إكراه في الدين.
وهي كلمة حق أريد بها باطل، لا إكره في الدين في قمة العقيدة أنت لا تكره أحدا فتقول له آمن بالله. وإنما إن آمن بالله وأعلن أنه مؤمن بالله وسلك نفسه في عداد المسلمين إن فعل معصية وكسر حدا من حدود الله يجب أن يقام عليه حد الله ولانقول له أننا أكرهناه.
لأنك دخلت إلي الإيمان الذي طلب منك هذا الحكم طواعية منك واختيارا إن شئت أن لاتدخل فلا تدخل.
إذن فيجب أن يفرق بين إكراه علي الدين وبين إلزام بمطلوب الدين الذي آمنت به حتي نقطع علي الناس سبيل تشكيكهم في هذه المسألة.
الحق سبحانه وتعالي يقول: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين).
آية كونية آية حسية تخضع أعناقهم، وهل يريد الله إخضاع الأعناق؟ لا إنه يريد إخضاع القلوب. وفرق بين أن تخضع القالب وبين أن تخضع القلب.
لأنه لاتوجد قوة في الدنيا تستطيع أن تجبر القلب علي شيء وإنما توجد قوي كثيرة تجبر القالب علي أشياء، قد يضربه ليسجد، قد يضربه ليهتف، قد يضربه ليصفق ..ـالله.
ولكنه لايستطيع أن يكره قلبه ليحبه، مستحيل هذا.
إذن فقضيه الإيمان الأساسية العقيدة الأولي أن ينشأ الإيمان بالله في القلب لاحركة في القالب. فحين ينشأ حب القلب تنشأ بعد ذلك حركة القالب علي وفق ما يريده من آمنت به بقلبك.
وأنا حين أستعرض اللغة أجد اللغة التي نتخاطب بها جميعا. حين تتكلم عن أشياء في الاشتقاق، واسمحوا لي إن دخلت في بعض التفصيلات العلمية.
أجد هناك مثلا من الألفاظ تشتق من أصل واحد للمناسبة والملابسة التي تجمعها، فمثلا نسمع كلمة (نَفَس)، ونسمع كلمة (نَفْس) ونسمع كلمة (نفيس).
ثلاث كلمات يجمعها اشتقاق واحد، هذا الجمع في الاشتقاق الواحد لم يأت عبثا، وأنا أستدل بهذا علي أن اللغة في أصلها الأصيل ليست من صنع الإنسان إلا ارتقاءً بها وتنمية لها.
 أما أصالة فلا يمكن أن تنشأ هذه أبدا، لأنني حين أقول لك كيف تتكلم أنت؟ وكيف يتكلم الانجليزي؟ وكيف يتكلم الفرنسي؟
يتكلم العربي لأنه سمعت أذنه كلاما عربيا فتكلم لسانه عربيا، وكذلك الانجليزي سمع كلام الإنجليز فتكلم الإنجليزية، والفرنسي قائلا سمع كلاما فرنسيا فتكلم الفرنسية.
فلو أن العربي الوليد وضع في بيئة إنجليزية لتكلم إنجليزيا، إذن اللغة ليست جنسا وليست دما وإنما هي ما تسمعه الأذن ويحكيه اللسان.
وما دامت اللغة كذلك لذلك لو أمعنا في كلام الله لوجدنا أن الذي لايتكلم ناشيء ذلك من أنه لم يسمع (صم بكم) إذن فالبكم وهو عدم الكلام نشأ عن صمم من لم يسمع، لم يسمع شيئا فكيف يتكلم لسانه؟
أنت لم تسمع لغة انجليزية فكيف تتكلم إنجليزيا؟ إذن ما تسمعه الأذن يحكيه اللسان، مادام الأمر كذلك إذن يجب أن نتنبه إلي شيء، هذا الشيء هو أن اللسان لا يتكلم إلا إن سمع.
سلسل الأجيال هذا الجيل هنا تكلم لأنه سمع عن الجيل الذي قبله، والجيل الذي قبله سمع من الجيل الذي قبله، والذي قبله سمع من الذي قبله، سلسلها ماضويا.
إذا أردت أن تسلسلها ماضويا تجد أن منطق الإحصاء في العالم يدل علي أن المتكاثر بمرور الزمن الاستقبالي يقل إذا رددته إلي الماضوية يعني عدد العالم، لو قلت في هذا القرن كذا وفي هذا القرن كذا.
لو قلت في هذا القرن 4 آلاف مليون إن أخذتها قبل القرن ستجدها 3 آلاف مليون وإذا أخذتها قبل هذا ستجدها ألفي مليون، سلسلها في الماضي إلي ماذا؟
مادام سيتزايد في الاستقبال فإنه يقل بالماضي، فتسلسها حتي تصبح مائة، والمائة تصبح خمسين والخمسين يصبحون عشرين والعشرون كانوا عشرة، والعشرة كانوا أربعة، والأربعة كانوا اثنين.
لاتستطيع أن تسلسلها لواحد لأن الواحد لاينشأ منه تكاثر، إنما ينشأ بالإنجاب، فلابد أن ترجعها في الماضوية إلي اثنين.
إذن عندما آتي للغة وأخذها عن عن عن إلي أن أذهب فأجدها مأخوذة عن اثنين.
هذان الاثنان أخذوها عن من؟ وماداموا سيسمعون إذن هذا من الاثنين والاثنان سمعا كلاما لكي يتكلموا، إذن عندما يأتي ربنا في القرآن ويقول إن القرآن معجز ويقول:
(وعلم آدم الأسماء كلها) نقول له: علي العين والرأس يارب بمنطق الإحصاء، فبمنطق الإحصاء العالم آل إلي اثنين اللذين يتم بهما التكاثر.
فربنا يقول إنني خلقتكم من اثنين آدم وزوجته فيكون هذا كلاما صادقا مؤيدا للإحصاء، لابد أن يكون الأمر هكذا.
وربنا عندما يقول لكل شيء في الوجود (من كل شيء خلقنا زوجين) فيكون كلامك  يارب علي العين والرأس، وصادق، والعلم الإحصائي يؤيده، ولا يمكن أن يكون إلا كذلك.
انظروا العقل البشري نحن عندما نريد أن نقنع الناس بما نقول نتعب حتي نقنعهم فكيف يوجد هذا في وضع اللغة؟
نَفْس ونفيس ونفَس ما العلاقة بينهم؟
 النفس يا أخي هو ما به قوام حياتك، صحيح أنك تأكل وتشرب لكن صبرك علي الأكل أكثر من صبرك علي الشراب، وصبرك علي الشراب أكثر من صبرك علي النفس.
من الممكن أن تمكث شهرا بدون طعام، وتمكث من غير مياه من 3 أيام إلي عشرة أيام، لكن لاتستطيع أن تصبر علي عدم وجود النفس لحظة علي قدر الشهيق والزفير.
إذن الضرورة الأساسية في مقوم الحياة هي النفس، لذلك كان من رحمة الله بالخلق الذين لايفكرون في هذه الرحمة، من رحمة الله أنه جوز أن يحتكر إنسان طعاما، لأن مدة صبرك عليه طويلة.
وقلل أقل منه أن يحتكر إنسان شرابا وإنما لم يشأ الله أن يحتكر أحد هواء. تلك أوائل الرحمة.