تجليات الشعــراوى

الله سبحانه غني عن خلقه لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية

الذي يمنع الماعون أكثر لؤماً وأشد شحاً الماعون هو كل ما يستعان به من أدوات


9/20/2017 11:00:25 AM

الصلاة لحظات قرب وتجلٍّ لله تعالي علي خلقه
 مادام الله يعطيك من نعمه بيده فلا تقبض يدك عن الآخرين
بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين ، والحمد لله كما علمنا أن نحمد وصلي الله وسلم علي سيدنا محمد رحمة الله للعالمين وخاتم المرسلين.
وبعد .. فالشيطان له مدخل في الصلاة، وهو في صراع مع بني آدم، وقد أقسم أن يغويهم وأن يفسد عليهم هذه الطاعة، فلما طرده ربه من رحمته ولعنه إلي يوم الدين قال: »‬فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين» ( ص ٨٢ ، ٨٣)
وهذا قسم عالم بصفات الله تعالي ومتعلق هذه الصفات، فمدخل الشيطان للإنسان من عزة الله واستغنائه عن خلقه فمن يطيع يطيع، ومن يعصي يعصي، لأنه سبحانه غني عن خلقه، لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية.
لذلك لم يقل الشيطان بقدرتك ولا برحمتك، بل قال »‬بعزتك» ولو أراد الله لعباده الهداية ما كان للشيطان سبيل إليهم بديل قوله »‬إلا عبادك منهم المخلصين» ( ص: ٨٣).
ثم يتوعدهم ويقول: »‬لأقعدن لهم صراطك المستقيم» (الأعراف: ١٦) وقلنا: إن الشيطان يقعد لنا في المسجد ليفسد علينا الصراط المستقيم، ويقعد لنا عند كل طاعة، لكنه لا يقعد مثلاً علي باب الخمارة، فهؤلاء لا حاجة له فيهم.
إذن لابد أن يحصل منا السهو في الصلاة، وهذا أمر طبيعي ولا يقدح في صحة الصلاة، بل هو ظاهرة صحية في الإيمان، والمهم أنك لا تستسلم لوساوس الشيطان وخواطره بل تستعيذ بالله منه.
وتذكرون قصة سيدنا أبي حنيفة عندما جاءه رجل يقول: يا إمام لقد وضعت مالي في مكان ما ونسيت أين هو، فضحك أبوحنيفة وقال له: هذه مسألة ليس فيها علم لكني سأحتال لك، أذهب وقم لله في هذه الليلة لعله يهديك إلي مكانه.
وبالفعل وقف الرجل بين يدي ربه يصلي، فجاءه الشيطان ليفسد عليه ليلته ووسوس له بمكان المال، فجاء الرجل ليخبر الإمام بما حدث فقال له: لقد علمت أنه لن يدعك تتم ليلتك مع ربك.
إذن قوله تعالي : »‬فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ  الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ» (الماعون: ٤ - ٥) ينبه الإنسان إلي أن الصلاة لحظات قرب وتجلٍّ لله تعالي علي خلقه، يجب علي الإنسان أن يستغلها وينتفع بها وألا يدخلها لغو ولا لهو.
لذلك قال تعالي: »‬قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون» (المؤمنون: ٢ ، ٣).
إذن كل فكر في غير الله وقت الصلاة لهو، ولأمور الدنيا وقت متسع.
ثم تذكر الآيات صفة أخري يتصف بها المصلون، وهي صفة الرياء »‬ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ» (الماعون: ٦ ، ٧).
والمرائي هو الذي يؤدي شكل الصلاة علي أكمل وجه دون أن يهتم بمضمونها، فالمرائي يريد أن يدخل في زمرة المسلمين وأن يتمتع بالحقوق الإسلامية في المجتمع، لكن في داخله غير ذلك.
والمرائي هو الذي يراعي نظر الناس، ولا يراعي نظر الله سبحانه إليه، والمراءاة مفعلة، فأنت ترائيه وهو يرائيك، والمرائي يجب أن يراه الناس وهو يفعل الفعل، ويراه محموداً في نظرهم وإلا لأخفاه عنهم.
وقوله تعالي »‬وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ» (الماعون: 7) هذه صفة أخري لهؤلاء وهي صفة مادية ترتبط بالذي يدع اليتيم »‬ويمنعون الماعون» كأن التجربة الحقيقية للمنهج الديني تتضح في الأمور المادية.
فالنفس بطبعها محبة للمال حريصة علي جمعه، فإن هانت عليك أموالك أمام مطلوب الله منك، فأعلم أنك علي المنهج الصحيح، وإن كنت علي خلاف ذلك فلتراجع نفسك لأنك لست علي منهج ربك.
وإن كنت في حالة إعطاء اليتيم والمسكين تعطيه شيئاً من مالك، أما في مسألة الماعون فأنت لا تعطي مالاً، إنما تتطوع بأثر هذا المال ونفعه، لأن الماعون حينما تعيره لجارك ينتفع به ويرده إليك فهو عارية مستردة.
فالذي يمنع الماعون أكثر لؤماً وأشد شحاً، والماعون هو الآنية ولوازم البيت التي تستعار، لأنها لا تتوفر في كل البيوت ومنها ما لا يحتاجه صاحبه إلا مرة في العام مثلاً، لذلك لا يقتنيها الفقراء بل يستعيرونها.
وإذا نظرت إلي هذه السورة وجدتها تتضمن أصولاً اقتصادية التي بها قوام الكون والحياة، وتتضمن أيضا أصلاً وجدانياً، يتمثل في استشفافك في الصلاة وقربك من الله.
وإذا استقام هذان الأمران استقام حال المجتمع، وإذا صلحا صلح بهما المجتمع والحياة والراعي والرعية لأن الجميع يستشعر أن ربوبيته لإله واحد.
ومن هنا تتضح العلاقة بين سورة الماعون بسورة قريش، فقد ختمت بقوله تعالي »‬الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف» (قريش: ٤).
إذن تذكر دائما هذه الحقيقة أن الله سبحانه هو الذي أطعمك من جوع، وهو الذي أمنك من خوف، ومادمت تتمتع بنعمة الله وتأخذ ما في يده سبحانه فلا تضن بما في يدك ولا تحرم اليتيم والمسكين والفقير والمحتاج، وكن لله تعالي كما يحب يكن لك كما تحب، وأنفق ينفق عليك.
وإلي لقاء آخر إن شاء الله