تجليات الشعــراوى

النص الكامل لكتاب معجزة الإسراء والمعراج

المعجزة الكبري في رحلة التكريم للرسول ﷺ«١-٢»


عادل أبوالمعاطي
4/7/2018 3:05:35 PM

لكن الله سبحانه أراد أن يكون هو وحده المعلم لرسوله الكريم وأن يكون تلقي العلم لرسول الله من الله مباشرة ودون أية حضارة أرضية، وكانت هذه في حد ذاتها معجزة، أن يختار الله رسولاً أمياً ثم يجعله معلماً للبشرية كلها إلي يوم القيامة.
وهكذا نشأ  محمد لم يجلس إلي معلم ولم يعرف عن حضارة الدنيا شيئاً ولم يقرأ حرفاً في حياته، لذلك عندما نزل جبريل بأول آية من القرآن وقال (إقرأ) رد رسول الله بفطرته السليمة: ما أنا بقاريء. أي لا أعرف القراءة والكتابة.
والسؤال هنا: ألم يكن الله الذي أرسل جبريل يعرف أن محمداً لايقرأ ولايكتب؟ إنه هو الذي اختاره أمياً وأعلن ذلك في التوراة والإنجيل وفي الكتب السماوية قبل أن تبدأ حياة رسولنا الكريم علي هذه الأرض بوقت طويل.
قال تعالي: ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيََّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ) (الأعراف: 157).
فالله سبحانه اختار رسوله أمياً منذ الأزل وهذا إعجاز للرسول الكريم حتي لايقال إنه جلس إلي معلم أو قرأ في كتب الأولين، إذن فجبريل الناطق بالوحي المرسل بكلام الله قائلاً (اقرأ) كان يقصد معني آخر غير القراءة والكتابة الدنيوية.
واختار الله سبحانه رسوله مشهوداً له بالصدق من قومه فقد عاش بينهم أربعين سنة قبل البعث بالرسالة، لم يعرفوا عنه كذباً قط وكان وهو الملقب بالأمين يحفظ عنده الناس ما يخافون عليه وهو  أغلي ما يملكون.
ثم كلف رسول الله بالرسالة وطُلب منه أن يجهر بالدعوة ولكن سادة قريش وزعماءهم تصدوا له لأنهم رأوا في دعوته نهاية لظلمهم وضياعا لنفوذهم فبدأوا يحاربون الدين الجديد من أول يوم، ذلك الدين الذي جاء ليسوي بين السيد والعبد ويعطي الحقوق لأصحابها.
وكانت صيحة الإسلام قوية في آذان أئمة قريش فزلزلتهم وجعلتهم يحاولون أن يحتووا هذا الدين الجديد بأية وسيلة، وكان لرسول الله حمايتان يحميانه من الإيذاء الخارجي بنفوذهما. الأولي حماية عمه أبي طالب، أما الحماية الثانية فكانت من زوجته السيدة خديجة التي كانت خير سكن لرسول الله فكانت تُسرّي عنه ما يلقاه من عناء  قريش واضطهادهم فتمسح بيدها كل آثار ما لاقاه رسول الله من عنت وعذاب.
وبدأ قادة قريش وزعماؤهم يبحثون عن حل إزاء هذا الدين الجديد وكان أول ما فكروا فيه هو أن يعطوا رسول الله ما يريده من جاه الدنيا لينصرف عن هذه الدعوة ولأنهم عبدة دنيا فكانوا يعتقدون أن المال أو السلطان أو النفوذ هو هدف رسول الله فاجتمعوا وقالوا نعطيه الدنيا لعله يترك هذه الدعوة وينصرف عنها.
قالوا إن كنت جئت بهذا الحديث تطلب مالاً جمعنا لك من أموالنا حتي تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تطلب الشرف فينا سيدناك علينا، وإن كنت تريد مُلكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك (يقصدون الوحي) رئياً تراه بذلنا من أموالنا في طلب الطب حتي نبرئك منه.
ولكن كل هذه العروض ومغريات الدنيا لم تُثر في نفس رسول الله ولاقطرة من الإغراء، لذلك حينما أراد عمه أبوطالب أن يقنعه بالعرض الدنيوي الذي عرضه كفار قريش قال رسول الله: »يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري علي أن أبلغ هذا الأمر أو هلك دونه ما تركته»‬.
وهكذا فشل زعماء قريش وأحسوا أن الدين الجديد يزداد انتشاراً فبحثوا عن وسيلة أخري يواجهون بها دعوة رسول الله فقالوا نشكك أتباعه في الرسالة وندخل الشك إلي قلوبهم في أنه ليس رسولاً فإذا حدث انصرفوا عنه وانتهت الدعوة.
ولما فشلوا بحثوا عن طريق آخر وهو تعذيب كل من آمن بالدين الجديد تعذيباً وحشياً يصل إلي القتل ولم يكن هناك من يحمي اتباع رسول الله فقد كانوا ضعفاء قلة أذلة ولم يكن أمامهم إلا تحمل التعذيب.
ومن هؤلاء آل ياسر الذين جاءوا من اليمن وأسلموا في مكة، كان الأب هو ياسر والأم سمية والابن عمار، حاول أبوجهل والكفار معه أن يفتنوهم عن دينهم فلم يفلحوا.
ومر رسول الله وهم يُعذَّبون فقال: صبراً آل ياسر إن موعدكم الجنة، واستمر التعذيب حتي استشهدت سمية بطعنة في بطنها من حربة أبي جهل وكذلك استشهد زوجها.
وتوالت أحداث التعذيب علي كل من آمن برسالة محمد، ولكن هذا لم يجعل أحداً من الذين أمنوا يرتد عن إيمانه بل كانوا يزدادون إيماناً وتمسكاً بدينهم ويرددون وهم يُعذِّبون: أحد.. أحد!!
وكانت هذه الكلمة تزلزل الكفار من الداخل وتجعلهم يعذبون المسلمين بقسوة وغلظةوضراوة والسماء ترقب ما يحدث، والقرآن يبشر المسلمين بالنصر وبأنهم هم الذين سيغلبون وينتصرون، وينزل قول الحق سبحانه (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) (القمر: 45).
ويقرأ رسول الله الآية الكريمة ويقول عمربن الخطاب: أي جمع هذا ونحن قلة وأذلة؟ وتمضي السنوات ويلتقي المسلمون والكفار في غزوة بدر ويُهزم الكفار ويفرون من أرض المعركة بعد أن قتل منهم أكثر من سبعين من زعماء قريش، ويقف عمر وقد وضح التأثر الشديد علي وجهه وهو يقول صدقت يارب (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ).
هكذا كانت بداية الإسلام وما تعرض له المسلمون الأوائل من أنواع التعذيب والاضطهاد هو ما أراده الحق لدينه ليطهر هذا الدين من المنافقين وضعاف الإيمان ولايبقي فيه إلا أقوياء الإيمان المخلصون لدينهم.
وتحمل رسول الله وتحمل المؤمنون الإيذاء بصبر ورضا، كانوا كلما واجهوا الصعاب وكلما تعرضوا للأذي ازدادوا التصاقاً بدينهم وإيماناً بربهم وكلما ازداد الاضطهاد كان تمسكهم بالدين أقوي.
فكان رسول الله وهو يتعرض لأقسي ما يتعرض له نبي يحتمي بقومه من أذي قريش وتأتي خديجة فتمسح عنه ما يلاقيه من عناء في الدعوة إلي الله وأبوبكر يشتري العبيد الذين أسلموا ويعتقهم حتي ينجيهم من العذاب والموت.
وكان رسول الله يتحمل الأذي وهو صابر... يلقون القاذورات في طريقه ويضعونها علي ظهره وهو يصلي فيقابل كل هذا بكريم خلقه وعظيم سماحته.
وعندما اشتد الأذي علي المسلمين أشار عليهم رسول الله أن يهاجروا إلي الحبشة هرباً من الظلم والطغيان، وهاجروا للحبشة مرتين فراراً بدينهم.
 ثم أسلم عمربن الخطاب وأسلم حمزة بن عبدالمطلب وكان كلاهما قوياً مرهوبا ولأول مرة صلي عمر بالمسلمين عند الكعبة بعد أن كانوا يؤدون صلاتهم في شعاب مكة خوفاً من أذي قريش.
وبدأ رسول الله يدعو القبائل التي تأتي إلي مكة للحج أو للتبرك بالبيت الحرام أو للتجارة إلي الإسلام، وأحست قريش بالخطر الجسيم الذي يتهددها فبدأوا يشوهون دعوة الرسول فقالوا ساحر وقالوا شاعر وقالوا كاهن!!
ولكن هذا كله لم يفلح واستمرت الدعوة في طريقها تنتشر وتنتشر وبنو هاشم وبنو عبدالمطلب يحمون رسول الله من إيذاء قريش، فلجأت قريش لأسلوب آخر فقرروا مقاطعة بني هاشم وبني عبدالمطلب مقاطعة تامة فلا يبيعونهم شيئاً ولايبتاعون منهم ولا يزوجونهم ولايتزوجون منهم!!
واستمر الحصار حوالي ثلاث سنوات فكانت قريش تزهو أن يتخلي بنو هاشم وبنو عبدالمطلب عن محمد ويسلموه لهم ليفعلوا به ما يشاؤون وسلط الله سبحانه حشرة أرضة الأرض فأكلت صحيفة المقاطعة التي تم تعليقها في جوف الكعبة فيما عدا (باسمك اللهم).
ولكن لم تمض شهور علي تمزيق الصحيفة حتي فاجأت رسول الله فاجعتان في عام واحد اهتزت لهما نفسه الشريفة، مات عمه أبوطالب وماتت زوجته خديجة.
وسُمي هذا العام عام الحزن وبعد أن فقد رسول لاله حماية عمه وحنان زوجته ازداد إيذاء الكفار للمسلمين، كما ازداد إيذاؤهم لرسول الله الذي تحمل في صبر وجَلد.
وضاق الرسول بإيذاء قريش وضاق بعناد الكفار من أهل مكة فخرج وحيداً إلي الطائف يلتمس من أهلها النصرة والمنعة ويدعوهم إلي الإسلام ولكنهم استقبلوه أسوأ استقبال.
سلطوا عليه سفهاءهم يسبونه ويرمونه بالحجارة حتي أدميت قدماه الشريفتان والتجأ إلي بستان يملكه عتبة وشيبة ابنا ربيعة وجلس في ظل شجرة وقد بلغ منه الحزن مبلغه.
لم يكن أمامه إلا السماء التي كلفته بالرسالة ليبلغها للناس فقد استنفد كل  أسباب الأرض مع قومه ومع غيرهم لكنه قوبل بالإيذاء والجحود والنكران، فرفع رسول الله أمره إلي السماء يشكو ظلم أهل الأرض!!
»‬اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني علي الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلي من تكلني إلي بعيد يتجهمني؟ أم إلي عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وحهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل عليَّ سخطك لك العتبي حتي ترضي ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».
عاد رسول الله إلي مكة وحيداً كما خرج منها قدماه داميتان وعرفت قريش قصة الطائف فاشتد إيذاؤها لرسول الله ومن آمنوا معه وكان لابد من مدد من السماء يؤكد له: أنه إذا كان أهل الأرض قد تخلوا عنه فإن ربه سيحتفي به في ملكوت السماء.
وفي ليلة مباركة جاء مدد السماء وحدثت المعجزة (معجزة الإسراء والمعراج).
 حدوث المعجزة:
معجزة الإسراء والمعراج هي من فعل الله سبحانه ولم تتم بقوة رسول الله البشرية، لذلك بدأ سورة الإسراء بقوله (سبحان الذي أسري بعبده) أي أن كل ما سيأتي بعد ذلك منسوب لقدرة الله سبحانه.
فالفعل يتناسب دائماً مع قدرة فاعله فإذا قال الله سبحانه أنه هو الذي أسري برسوله يكون كل ما في الرحلة مما هو فوق قدرة العقول يمكن أن يحدث.
لذلك روي الرسول ما حدث له في الإسراء والمعراج وقال له العرب أتدعي أنك أتيتها في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً كان سؤالهم دليلاً علي أنهم لم يفهموا المعجزة، فرسول الله لم يقل سريت وإنما قال أسري بي، ومن الذي أسري به؟ إنه الله.
لذلك عندما نسبوا الفعل لقدرة البشر نسوا قدرة الله ونسوا أن محمداً لم يقل سريت إلي بيت المقدس ولكنه قال أُسري بي وكان يجب أن ينتبهوا إلي قدرة الفاعل عندما يتحدثون ويقارنون المعجزة بقدراتهم البشرية.
وهناك سؤالان هامان لابد من الإجابة عليهما:
السؤال الأول: لماذا تم الإسراء ليلاً ولم يتم في وضح النهار؟
والسؤال الثاني: لماذا أخذ الإسراء زمناً والله لازمن عنده؟
حادثة الإسراء بدأت عندما كان رسول الله نائماً في الكعبة وقيل في بيته وقيل في بيت أم هانيء. وكل الروايات صحيحة لأن رؤيا الأنبياء صادقة.
وبيت أم هانيء كان قريباً من الكعبة وهي ابنة عم رسول الله، ومعجزات الأنبياء حدثت كلها أمام أقوامهم، فإبراهيم ألقي في النار وقومه يشاهدون، وموسي انشق له البحر أمام قومه، وعيسي حدثت معجزاته وشاهدها الناس جميعاً
 فلماذا لم تتم معجزة الإسراء بهذه الكيفية واختار الله أن تتم ليلاً ودون أن يشهدها أحد؟
نقول: إنك لم تفهم الحكمة من المعجزة فرسول الله يأتيه الوحي بالقرآن الكريم خُفية أي لايشهد أحد جبريل عليه السلام وهو يتنزل بالقرآن علي رسول الله.
إذن المسألة المطروحة هنا مسألة إيمانية أي إخبار بغيب وليست مسألة مشاهدة ورسول الله له معجزات حسية كثيرة مثل نبع الماء من بين أصابعه الشريفة وظلله الغمام ووضع يده في طعام قليل فكفي جيشاً بأكمله وغير ذلك من المعجزات الحسية فهل آمن الكفار عندما رأوا هذه المعجزات؟
فالآيات الكونية لم تجعل الناس يؤمنون بل أخذوا يفسرونها حسب أهوائهم، فأراد الحق سبحانه أن تكون معجزة الإسراء دليلاً إيمانياً يبقي إلي يوم القيامة لأن رسالة رسول الله باقية إلي يوم القيامة، فجعلها غيباً عليه دليل مادي حتي تناقش بالعقل وتكون مدخلاً للإيمان. فالحق سبحانه يريد أن يعطينا بمعجزة الإسراء دليلاً علي أن رسول الله صادق فيما يبلغنا به من منهج يُوحي إليه من السماء، لذلك كانت المعجزة غيباً وقام عليها الدليل العقلي.
فلو أن المعجزة تمت نهاراً ورأي الناس رسول الله وهو يصعد إلي السماء علي البراق لقالوا إنما سحرت أبصارنا، لذلك قال تعالي: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ) (الأنعام: 7).
هذا هو السلوك البشري والله أعلم بخلقه ولذلك لم تكن المعجزة الحسية تفيد في أن يصدقوا أن رسول الله قد أسري به، ولكن الذي يبقي هو أن تكون المعجزة غيباً وعليها دليل عقلي لتؤكد صدق رسول الله فيما يُوحي إليه.
وهذا ما حدث، المعجزة تمت غيباً ولكن عليها أكثر من دليل عقلي فلما أخبر رسول الله قريشاً بما حدث كان أول ما قالوه: نحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً وأنت تدعي أنك أتيتها في ليلة واحدة أي أن الرحلة بين مكة وبيت المقدس كانت تستغرق منهم شهراً كاملاً ورسول الله يقول إنه ذهب وعاد في ليلة واحدة.
وكان الرد العقلي علي ذلك أن الله هو الذي أسري برسوله ومحمد لم يدع أنه هو الذي أسري بنفسه إذن القدرة هنا منسوبة لله جل جلاله.
والدليل العقلي الثاني أنهم قالوا لرسول الله: صف لنا المسجد الأقصي وقال رجل منهم: أنا أعلم الناس ببيت المقدس فأخبرني كيف بناؤه وهيئته؟
فرفع الله سبحانه المسجد الأقصي لرسول الله فقال: بناؤه كذا وكذا وأخذ يصفه وصفاً دقيقاً أدهل الحاضرين.
ولو كانت قريش تعلم أن رسول الله قد سافر إلي بيت المقدس ولو مرة واحدة ما سألوه هذا السؤال ولكنهم كانوا علي يقين أنه لم يذهب إلي المسجد الأقصي ولو مرة في حياته ولكنهم طلبوا أن يصفه لهم كنوع من التعجيز.
وقالت له قريش: صف لنا ماذا رأيت في الطريق؟
فقال: إني مررت  بقافلة لكم في مكان كذا وأن جملاً قد ضل منهم وأن القافلة يتقدمها جمل لونه أسود وأنها ستصل إلي مكة في شروق يوم كذا.
فخرجوا ينتظرون وصول القافلة ليعرفوا إذا كان رسول الله قد صدقهم القول أم لا، انتظروا طول الليل حتي أشرقت الشمس، فصاح أحدهم: الشمس أشرقت. ورد عليه آخر: والقافلة وصلت. وكان يتقدمها الجمل الأسود الذي وصفه لهم رسول الله!!
كل هذه كانت أدلة مادية عقلية علي أن المعجزة قد حدثت، وأن رسول الله قد أسري به من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصي، وقد فُتن بعض المسلمين ولم يصدقوا.
وانطلقوا إلي أبي بكر وقالوا له إن صاحبك يزعم أنه جاء إلي بيت المقدس ثم رجع إلي مكة في ليلة واحدة فقال أبوبكر: أو قال هذا؟
قالوا: نعم. قال أبوبكر: مادام قد قال فقد صدق.
وعندما أبدي المسلمون دهشتهم قال أبوبكر: أنصدقه في خبر السماء ونكذّبه في هذا، وكان هذا القول من أبي بكر هو توضيح لحكمة الإسراء ذلك أن رسول الله الذي يأتيهم بالقرآن الذي ينزل به جبريل والوحي غيب عنهم.
كان يجب أن يصدقوه في معجزة غيبية حدثت له أقام عليها الدليل العقلي والمادي فيعرفون أنه صادق وأن رسالته هي رسالة الحق، وهذا يبين لنا لماذا كانت معجزة الإسراء غيباً عن الناس؟ ولماذا لم تحدث في وضح النهار؟
المعجزة حققت هدفين:
هكذا حققت المعجزة هدفين:
- أقامت الدليل العقلي والمادي علي أن كل ما يخبرنا رسول الله عنه هو صدق ولو كان غيباً عنا.
- وخلصت الإسلام من ضعفاء الإيمان الذين لو كانوا قد استمروا علي إسلامهم لأصابوا هذا الدين بالضرر البليغ ولم ينفعوه بشيء.
لماذا استغرقت معجزة الإسراء زمناً مع أن الله لا زمن عنده؟
ألم يكن الحق جل جلاله قادراً علي أن يُسري برسوله من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصي في لحظة؟ نقول: إنه جل جلاله كان قادراً علي ذلك ولكن لابد أن نفهم أن لكل خلق من خلق الله قانوناً، وكل منا يري ما يدخل في قانونه.
فالبشر لهم قوانين تختلف عن قوانين الجان فالجن مثلاً لأنه مخلوق من نار يستطيع أن يتحرك أسرع ويستطيع أن يتشكل بأشكال مختلفة ولكن الله سبحانه رحمة بنا قد جعل كل من يتشكل بقانون يحكمه هذا القانون.
فكان لابد أن يقيم رسول الله الدليل المادي والعقلي علي أنه قد أُسري به، فكان لابد أن يري أشياء وأحداثاً تخضع لقوانين البشر ليأتي ويرويها لأهل مكة كدليل علي صدق المعجزة.
وأحداث البشر تحتاج إلي زمن، فنحن بطبيعتنا البشرية لانستطيع أن نفعل شيئاً في لا زمن، بل لابد لكل حدث من زمن.
لذلك اقتضت بشرية الأحداث التي سيراها رسول الله في الطريق بين مكة وبيت المقدس أن يتم الإسراء في زمن وأن يستغرق وقتاً، ولو أن الحق سبحانه لم يُرد من رسوله أن يقيم الدليل المادي والعقلي علي صدق معجزة الإسراء لتمت المعجزة في لا زمن.
لكن الله أراد أن يعطي رسوله للناس الدليل المادي والعقلي علي صدق المعجزة فجعل المعجزة تتم في ليلة لتستوعب الأحداث البشرية فيها وكان هذا الوقت الذي استغرقه الإسراء هو من تمام المعجزة وكمالها.
من مكة إلي بيت المقدس:
قال سبحانه: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَي بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَي الْمَسْجِدِ الأَقْصَي) (الإسراء: 1).
حدد الحق سبحانه من أين بدأ الإسراء وإلي أين انتهي، والمسجد الحرام هو مكان الكعبة المشرفة وهو أول مسجد وُضع للناس في الأرض منذ بداية الخلق (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًي لِلْعَالَمِينَ ) (آل عمران: 96).
والمسجد الحرام أو البيت الحرام هو المسجد الوحيد الذي يوجد في الأرض باختيار الله سبحانه لمكانه أما المساجد الموجودة في الأرض فهي مساجد باختيار خلق الله لأماكنها، لذلك جعل المسجد الحرام الذي شرفه الله باختياره قبلة لكل مساجد الأرض.
والمسجد هو مكان السجود والصلاة التي نعرفها لم تفرض إلا بعد الإسراء والمعراج، فكيف يأتي القرآن الكريم بوصف المسجد وهو مكان السجود بالنسبة للمسجد الحرام وبالنسبة للمسجد الأقصي الذي أخذ هذا الاسم من أنه كان أقصي مكان وصل إليه العرب في رحلاتهم وتجارتهم قبل الإسلام.
نقول: الإنسان سجد لله سبحانه منذ نزل علي الأرض وأن السجود لله في الأمم السابقة وإن كان يختلف عن الطريقة التي نسجد بها نحن فإنه كان موجوداً.
وإذا قرأنا قول الله سبحانه لابراهيم عليه السلام: (وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ٍ) (الحج: 26) نعرف أنه كان هناك  سجود لله سبحانه في عصر إبراهيم وقبله، ومنذ نزل منهج السماء إلي الأرض شرع السجود، ونجد أنه كان في اليهودية سجود مصداقاً لقوله تعالي لبني إسرائيل: (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمْ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمْ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً)(النساء: 154).
وهكذا نري أن السجود كان مفروضاً في اليهودية وكذلك كان في النصرانية، قال تعالي لمريم: (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) (آل عمران: 43).
رحلة الإسراء كانت من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصي وقصي يعني بعيد وأقصي يعني أبعد، والمسجد الأقصي بارك الله فيما حوله، فقال: (إلي المسجد الأقصي الذي باركنا حوله).
ما هي البركة؟ البركة هي أن يعطي الشيء أكثر مما هو متوقع له، فمثلاً إذا أتينا بطعام يكفي ثلاثة أشخاص واجتمع حول المائدة عشرة أشخاص وأكلوا وشبعوا نقول: هذا الطعام فيه بركة.
المال القليل إذا كفاك فترة طويلة يكون فيه بركة، والثوب إذا ظل معك سنوات وسنوات دون أن يبلي يكون فيه بركة، والبركة مادية دنيوية أو روحية دينية.
فالبركة التي ينتفع بها المؤمن والكافر دنيوية فقط، أما البركة الدينية فلا ينتفع بها إلا المؤمن، فالبركة الدنيوية هي عطاء ربوبية من الله رب العالمين الذي خلق البشر كلهم واستدعاهم لكونه وكفل لهم أرزاقهم، وهناك بركة دينية يختص بها الله عباده المؤمنين فقط.
وجعل الله سبحانه بركة حول المسجد الأقصي بركة دنيوية وبركة دينية لأنه شهد رسل الله كلهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب وزكريا ويحيي وموسي وعيسي وهو مهبط الوحي علي كل هؤلاء ومن هنا كانت فيه بركة دينية.
وقد حدد الحق سبحانه مهمة الإسراء من مكة إلي بيت المقدس وهي أن يري رسول الله من آيات ربه، وكلمة الآيات لاتقال علي كل شيء موجود وإنما تقال علي الموجود العجيب فقال تعالي (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء: 1).
فهدف الإسراء والمعراج هو أن يُري الله رسوله من الآيات ما يذهب عنه الضيق والحزن الذي أصابه من جمود أهل الأرض وإيذائهم وعنادهم ويؤكد له أن السماء بملكوتها الواسع وآياتها العجيبة تحتفي به!!
وقول الحق سبحانه (إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء: 1) والسميع هو من يدرك الكلام والبصير هو من يدرك الأفعال والمرائي والله سميع لأقوال رسوله بصير بأفعاله، سميع لأقوال خصومه بصير بأفعاله.
الله عز وجل يسمع ويري، فالقوم كانوا يكذبونه ويؤذونه بفاحش القول والكلام، والله بصير بما فعلوه حين قذفوه بالحجارة وأدموا قدميه الشريفتين.
سميع وبصير برسوله الكريم وهو يقول: »‬إلي من تكلني؟» وهو يقول »‬إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي».
لذلك كانت استجابة السماء ليعرف الرسول أن كل ما يلقاه من كفر أهل الأرض وعنادهم ليس غضباً عليه من الحق سبحانه، فأراه من آيات السماء ما عرف منه مدي رضا الله عنه ومدي حبه له.
صلاة الرسول بالأنبياء:
فقد صلي رسول الله إماماً بالأنبياء جميعاً في بيت المقدس، وقد يسأل سائل: كيف يصلي رسول الله بالأنبياء وهم موتي وهو وحي؟ وهؤلاء نسوا بداية الآية الكريمة (سبحان الذي أسري بعبده) أرادوا أن ينسبوا الأحداث لا إلي قدرة الله ولكن إلي بشرية رسول الله والقرآن لم يقل هذا ولم ينسب الفعل إلي بشرية الرسول، وإنما نسب المعجزة كلها إلي قدرة الله.
وإذا كنا نريد أن نناقش المسألة عقلاً ومنطقاً ألم يعط الله سبحانه إلي عبد من عباده ورسول من رسله هو عيسي عليه السلام القدرة علي إحياء الموتي وعلي أن يخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيراً تدب فيه الحياة بإذن الله؟!!
(أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَي بِإِذْنِ اللَّهِ)(آل عمران: 49).
ألم يُر الله جل جلاله عبداً من عباده وهو إبراهيم عليه السلام كيف يحي الموتي مصداقاً لقوله عز وجل: (قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَي كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(البقرة: 260).
فإذا كان الله قد أعطي بإذنه لعبدين من عباده هذه القدرة فما بالك إذا كان الفعل مباشراً من الحق جل جلاله ولم يكن بواسطة عبد من عباده.. ألا تكون القدرة أكبر والإعجاز أعلي؟!!
وسواء غيرَّ الله سبحانه قانون بشرية رسوله ليصلي بالأنبياء، أو يكون غيرَّ قانون برزخية الأنبياء ليصلي بهم رسول الله، فالله قادر علي الفعلين!!
وإذا قال قائل: كيف صلي رسول الله بالأنبياء ولم تكن الصلاة المكتوبة في الإسلام قد فُرضت؟ نقول: إن الله تعالي قادر علي أن يوحي لأنبيائه بالصورة التي تتم عليها الصلاة كما يريدها سبحانه وكما يتقبلها تبارك وتعالي.
ثم ألم يكن رسول الله يصلي عند الكعبة قبل فرض الصلاة بصلاة إبراهيم عليه السلام؟
إلي هنا وينتهي الإسراء، والأحاديث التي وردت في إثبات معجزة الإسراء كثيرة بلغت العشرين حديثاً أو أكثر.
وإلي لقاء آخر في الكلام عن معجزة المعراج.
أيد الله سبحانه رسوله محمداً صلي الله عليه وسلم بمعجزات كثيرة، هذه المعجزات بعضها مادي يراه الناس، فقد نبع الماء من بين أصابعه الشريفة، وكان الغمام يظلله أينما سار، وانشق له القمر وغيرها كثير، ولكن هناك معجزة كبري لم يتح لبشر أن يطلع عليها، بلغ فيها رسول الله سدرة المنتهي وتجاوزها ليري الآية الكبري لله في السماوات ووصل صلي الله عليه وسلم إلي منزلة أعلي من منزلة جبريل عليه السلام أقرب الملائكة إلي الله جل وعلا.
فعند سدرة المنتهي توقف جبريل ليتقدم رسول الله، وقال جبريل للرسول الكريم: أنت يا رسول الله إن تقدمت اخترقت وأنا إن تقدمت احترقت!!
وهذا الكتاب عن المعجزة الكبري التي خص بها الله رسوله وهي الإسراء والمعراج، فما من نبي صعد إلي السماوات.. حتي بلغ سدرة المنتهي وتجاوزها، ثم عاد في نفس الليلة ليكمل حياته علي الأرض إلا خاتم الأنبياء والمرسلين محمد.
وحينما نتحدث عن معجزة الإسراء والمعراج فلابد أن يسبق ذلك حديث عن الأسباب التي سبقت المعجزة أو التي حدثت من أجلها المعجزة فرسول الله خاتم الأنبياء وصاحب الخلق العظيم بعث بالرسالة الخالدة إلي الدنيا كلها، وأعد إعداداً إلهياً لتحمل الرسالة الكبري خاتم رسالات السماء إلي الأرض، فجعله ربه أمياً لايقرأ ولايكتب، حتي لايقال إنه أخذ عن حضارات الأمم السابقة أو أنه تعلم علي يد معلم فروي له وعلَّمه.