من قصص الأيمان

ضيوف من الملائكة علي مائدة الخليل إبراهيم


5/7/2017 2:50:13 PM

اختار إبراهيم عجلا سمينا وأمر بذبحه، فذكروا عليه اسم الله وذبحوه. وبدأ شواء العجل علي الحجارة الساخنة.. وأعدت المائدة.. ودعا إبراهيم ضيوفه إلي الطعام،
أشار إبراهيم بيده إلي أن يتفضلوا باسم الله، وبدأ هو يأكل ليشجعهم. كان إبراهيم كريما يعرف أن الله لا يتخلي عن الكرماء وربما لم يكن في بيته غير هذا العجل، وضيوفه ثلاثة ونصف شاة يكفيهم ويزيد، غير أنه كان سيدا عظيم الكرم. 

راح إبراهيم يأكل ثم استرق النظر إلي ضيوفه ليطمئن أنهم يأكلون. لاحظ أن أحداً لا يمد يده إلي الطعام. قرب إليهم الطعام وقال: ألا تأكلون؟ عاد إلي طعامه ثم اختلس إليهم نظرة فوجدهم لا يأكلون.. رأي أيديهم لا تصل إلي الطعام. عندئذ (أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً). في تقاليد البادية التي عاش فيها إبراهيم، كان معني امتناع الضيوف عن الأكل أنهم يقصدون شرا بصاحب البيت.
ولاحظ إبراهيم بينه وبين نفسه أكثر من ملاحظة تؤيد غرابة ضيوفه. لاحظ أنهم دخلوا عليه فجأة. لم يرهم إلا وهم عند رأسه. لم يكن معهم دواب تحملهم، لم تكن معهم أحمال.. وجوههم غريبة تماما عليه. كانوا مسافرين وليس عليهم أثر لتراب السفر. ثم ها هو ذا يدعوهم إلي طعامه فيجلسون إلي المائدة ولا يأكلون.. ازداد خوف إبراهيم.. كان الملائكة يقرأون أفكاره التي تدور في نفسه، دون أن يشي بها وجهه. قال له أحد الملائكة: (لاَ تَخَفْ). رفع إبراهيم رأسه وقال بصدق عظيم وبراءة: اعترف أنني خائف. لقد دعوتكم إلي الطعام ورحبت بكم، ولكنكم لا تمدون أيديكم إليه.. هل تنوون بي شراً؟
ابتسم أحد الملائكة وقال: نحن لا نأكل يا إبراهيم.. نحن ملائكة الله.. وقد أُرْسِلْنَا إِلَي قَوْمِ لُوطٍ
ضحكت زوجة إبراهيم.. كانت قائمة تتابع الحوار بين زوجها وبينهم، فضحكت .
التفت إليها أحد الملائكة وبشرها بإسحاق. يبشرك الله بإسحاق.
صكت العجوز وجهها تعجبا، وقالت: يَا وَيْلَتَي أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا إن هذا لشيء عجيب»‬ (هود:72).
»عاد أحد الملائكة يقول لها:
»‬وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ »‬
جاشت المشاعر في قلب إبراهيم وزوجته.. انكشف جو الحجرة وانسحب خوف إبراهيم واحتل قلبه نوع من أنواع الفرح الغريب المختلط.. كانت زوجته العاقر تقف هي الأخري وهي ترتجف.. إن بشارة الملائكة تهز روحها هزاً عميقاً.. إنها عجوز عقيم وزوجها شيخ كبير.. كيف.. كيف يمكن؟
وسط هذا الجو الندي المضطرب تساءل إبراهيم:  »‬أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَي أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ».
أكان يريد أن يسمع البشارة مرة أخري؟ أكان يريد أن يطمئن قلبه ويسمع للمرة الثانية منة الله عليه؟ أكان ما بنفسه شعورا بشريا يريد أن يستوثق؟ ويهتز بالفرح مرتين بدلا من مرة واحدة؟ أكد له الملائكة أنهم بشروه بالحق.  »‬قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ »‬قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ» (الحجر:56)
لم يفهم الملائكة إحساسه البشري، فنوه عن أن يكون من القانطين، وأفهمهم أنه ليس قانطا.. إنما هو الفرح.
لم تكن البشري شيئا بسيطا في حياة إبراهيم وزوجته.. لم يكن لإبراهيم غير ولد واحد هو إسماعيل، تركه هناك بعيدا في الجزيرة العربية. ولم تكن زوجته سارة قد أنجبت خلال عشرتها الطويلة لإبراهيم، وهي التي زوجته من جاريتها هاجر.. ومن هاجر جاء إسماعيل.. أما سارة، فلم يكن لها ولد.. وكان حنينها إلي الولد عظيما، لم يطفئ مرور الأيام من توهجه. ثم دخلت شيخوختها واحتضر حلمها ومات. كانت تقول: إنها مشيئة الله عز وجل.
هكذا أراد الله لها.. وهكذا أراد لزوجها.. ثم ها هي ذي في مغيب العمر تتلقي البشارة.. ستلد غلاما. ليس هذا فحسب، بشرتها الملائكة بأن ابنها سيكون له ولد تشهد مولده وتشهد حياته.. لقد صبرت طويلا ثم يئست ثم نسيت.. ثم يجيء جزاء الله مفاجأة تمحو هذا كله في لحظة.
فاضت دموعها وهي تقف.. وأحس إبراهيم عليه الصلاة والسلام بإحساس محير.. جاشت نفسه بمشاعر الرحمة والقرب، وعاد يحس بأنه إزاء نعمة لا يعرف كيف يوفيها حقها من الشكر.. وخر إبراهيم ساجدا علي وجهه.
وقد ذهب عنه خوفه، واطمأنت حيرته، وغادره الروع، وسكنت قلبه البشري التي حملوها إليه. وتذكر أنهم أرسلوا إلي قوم لوط.. ولوط ابن أخيه النازح معه من مسقط رأسه، والساكن علي مقربة منه.. وإبراهيم يعرف معني إرسال الملائكة إلي لوط وقومه.. هذا معناه وقوع عذاب مروع. وطبيعة إبراهيم الرحيمة الودودة لا تجعله يطيق هلاك قوم في تسليم.. ربما رجع قوم لوط وأقلعوا وأسلموا أجابوا رسولهم..
وبدأ إبراهيم يجادل الملائكة في قوم لوط. حدثهم عن احتمال إيمانهم ورجوعهم عن طريق الفجور، وأفهمه الملائكة أن هؤلاء قوم مجرمون. وأن مهمتهم هي إرسال حجارة من طين مسومة من عند ربك للمسرفين.. وعاد إبراهيم، بعد أن سدت الملائكة باب هذا الحوار، عاد يحدثهم عن المؤمنين من قوم لوط.  
فقالت الملائكة بقولهم: نحن أعلم بمن فيها.. ثم أفهموه أن الأمر قد قضي.. إن مشيئة الله تبارك وتعالي قد اقتضت نفاذ الأمر وهلاك قوم لوط.. أفهموا إبراهيم أن عليه أن يعرض عن هذا الحوار.. ليوفر حلمه ورحمته.. لقد جاء أمر ربه.. وتقرر عليهم (عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) عذاب لن يرده جدال إبراهيم.  
كانت كلمة الملائكة إيذانا بنهاية الجدال.. سكت إبراهيم. وتوجهت الملائكة لقوم لوط عليه السلام.
انتهت قصة إبراهيم



تعليقات القرّاء