خطبة الجمعة

الخوف من اللّه وأثره في استقامة الفرد والمجتمع


2/19/2017 1:37:52 PM

استجابة لرغبة أئمة وزارة الأوقاف من قراء »اللواء الإسلامي»‬ تقدم الجريدة خدمة صحفية متميزة حيث تفرد هذه المساحة من كل عدد لنشر خطبة الجمعة الموحدة من وزارة الأوقاف متضمنة عناصر الخطبة والأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية.
وننشر خطبة الجمعة القادمة تحت عنوان: »‬الخوف من الله وأثره في استقامة الفرد والمجتمع »

الحمد لله رب العالمين .. القائل في كتابه العزيز: »‬(وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَي النَّفْسَ عَنِ الْهَوَي فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَي».. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين، وبعد..
فإن الخوف من الله (عز وجل) والخشية منه من أعظم صفات المؤمنين، وأبرز علامات المتقين، ودليل علي حسن مراقبة الله سبحانه وتعالي واستحضار معيته في السر والعلن، يقول سبحانه: »‬أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ  مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَي ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَي مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا  ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ  إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» والخوف من الله عبادة قلبية تدل علي حسن الإسلام، وقوة الإيمان، وبه يتحقق المعني الكامل للتقوي التي فسرها سيدنا علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) بأنها الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل، وقد ضمن الله تعالي لمن خافه واتقاه الفوز في الدنيا والآخرة، فقال سبحانه: »‬ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ».
ولأهمية تلك العبادة القلبية حثنا الحق تبارك وتعالي علي التحلي بها فقال: »‬وإياي فأرهبون»، فمن خاف الله تعالي رضي عنه، وجزاه جنات تجري من تحتها الأنهار، يقول سبحانه: »‬إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا  رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ  ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ».
وبالخوف من الله تعالي أتصف الملائكة المقربون، فقال سبحانه: »‬وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ»، وأتصف به الأنبياء والمرسلون، فقال تعالي: »‬الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ  وَكَفَي بِاللَّهِ حَسِيبًا»، وكان النبي (صلي الله عليه وسلم) أشدهم خشية لله وخوفا منه، فهو القائل: »‬أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له»، وإنما كان الأنبياء أشد الناس خوفا من الله (عز وجل)، لتحقق مقام الإحسان في كل أحوالهم، وهو ما عبر عنه النبي (صلي الله عليه وسلم) بقوله: »‬إن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» فالخائفون من الله (عز وجل) يراقبونه سبحانه في كل الأحوال.
وها هو سيدنا يوسف (عليه السلام) يستعصم بالخوف من الله (عز وجل) ، فبعد أن راودته امرأة العزيز عن نفسه وتهيأت وتجملت له، وأحكمت غلق الأبواب، قال لها بلسان الخائف من ربه، المستحضر عظمته تعالي أمام عينيه: »‬معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون».
وعلي درب الأنبياء والمرسلين سار المؤمنون الصادقون في خوفهم من الله (عز وجل) وشدة خشيتهم له، مدح الله به الرجال المخلصين فقال: »‬رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ  يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ»، ووصف الله به العلماء العاملين، فقال: »‬إنما يخشي الله من عباده العلماء» كما وصف به الأتقياء الصالحين، فقال: »‬إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَي رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ»، فهذه الصفات العالية دليل علي الخوف والخشية، والإيمان العميق للمؤمنين الصادقين مع ربهم، فهم يقدمون الكثير من الطاعات والخيرات وقلوبهم خائفة ألا يتقبل الله منهم، لأنهم موقنون باليوم الآخر والرجوع فيه إلي الله تعالي ليحاسبهم علي أعمالهم، فقد سألت أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها) رسول الله (صلي الله عليه وسلم) عن قوله تعالي: »‬والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة» فقالت: يا رسول الله، أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: »‬لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون، ويصلون، ويتصدقون، وهم يخافون ألا يقبل منهم»، وفي الأثر أن أبا بكر الصديق (رضي الله عنه) قال: لو قيل: »‬لا يدخل الجنة إلا رجل واحد لرجوت أن أكون أنا هو، ولو قيل: لا يدخل النار إلا رجل واحد لخفت أن أكون أنا هو».
إن الخوف من الله (عز وجل) إذا تأصل في نفوس العباد وقاهم الله (عز وجل) به كثيرا من الشرور والمفاسد والآثام، فلو أننا خشينا الله (عز وجل) حق خشيته لتغيرت سلوكيات وتصرفات المجتمع إلي الأفضل، لأن الخوف هو طريق الحياء من الله (عز وجل) يقول نبينا (صلي الله عليه وسلم): »‬استحيوا من الله حق الحياء»، فالخائف يستشعر معية الله، وأنه سبحانه وتعالي مطلع عليه وعلي أفعاله، لذا قيل: »‬اجعل مراقبتك لمن لا تغيب عن عينه لحظة، وشكرك لمن لا تنقطع نعمته عنك، وطاعتك لمن لا تستغني عنه، وخضوعك لمن لا تغيب عن ملكه وسلطانه»، وذلك لأن الله (عز وجل) مراقب لحركات الإنسان وسكناته، وأنه سبحانه وتعالي لا تأخذه سنة ولا نوم، وأنه سبحانه »‬يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور» وأنه تعالي قد يمهل ولكنه (عز وجل) لا يهمل أبدا، يقول سبحانه: »‬ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار» ويقول سبحانه: »‬فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام».
فمن يخاف الله (عز وجل) يعف نفسه عن أكل الحرام، لأنه يدرك أن كل جسد نبت من سحت فالنار أولي به، وأن المال الحرام سيكون هلاكاً ودماراً علي صاحبه في الدنيا والآخرة، وأن آكله سيندم حيث لا ينفع الندم، ويصون لسانه عن الخوض في أعراض الناس، لأنه يعلم أنه إذا تكلم بكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار، وأن الله (عز وجل) محاسبه علي كل لفظ أو كلمة، حيث يقول الحق سبحانه: »‬وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ  وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ  إِذْ يَتَلَقَّي الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ   مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ» ويقول نبينا (صلي الله عليه وسلم): »‬إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم».
ومن ثم فإن المسلم يجب أن يقف مع نفسه لحظات، ليسأل نفسه ماذا قدم للقاء ربه؟ وماذا قدم لوطنه ومجتمعه؟ وما آخر الطريق الذي يريد الوصول إليه؟ وماذا عن راحة ضميره في كل ما قدم ويقدم؟ فقد سأل رجل النبي (صلي الله عليه وسلم) متي الساعة يا رسول الله؟ فقال له (صلي الله عليه وسلم): ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة، ولا صوم، ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، فقال له النبي (صلي الله عليه وسلم): أنت مع من أحببت».
ولاشك أن الخوف من الله (عز وجل) هو أهم سبل الوقاية من الزلل، فمن خاف الله تعالي لا يمكن أن يكون كذاباً، ولا منافقاً، ولا مرائياً، ولا مخادعاً، ولا سارقاً، ولا عاقاً، ولا مدمناً، ولا قاتلاً، ولا زانياً، ولا شارباً للخمر، ولا آكلا للحرام، ولا مانعاً للخير، ولا معطلاً لمسيرة الوطن، ولا مستحلاً سفك الدماء، ولا منتهكاً للأعراض، ولا مخرباً ولا مدمراً، ولا فاسداً ولا مفسداً.
ومن ثم يستقر حال المجتمع، فلا تجد ظالماً يظلم غيره، ولا تاجراً يغش في تجارته، ولا خائناً للأمانة، ولا مقصراً في عمله، فالتاجر الذي يخشي الله تعالي تجده أمينا صادقاً في بيعه وشرائه، لا يعرف الغش ولا الخداع، لأنه يستحضر قول النبي (صلي الله عليه وسلم): »‬من غشنا فليس منا» والطبيب الذي يخاف ربه تجده يخلص في عمله ويتعامل برفق ورحمة مع من يعالجه، والمدرس الذي يخاف الله ويخشاه تجده يحرص علي عمله بإتقان ليخرج أجيالاً متميزة تعمل علي خدمة الناس والمجتمع، والمهندس الذي يخاف ربه تجده يحرص في عمله علي زيادة الانتاج خدمة لوطنه.
وكذلك الخائف من الله لا يمكن أن يكون مجاملاً علي حساب الحق، أو مقصراً في حق الوطن، فمن خاف الله (عز وجل) أدي الذي عليه من حق نحو دينه ووطنه، وحق العامل وحق الأجير، حيث يقول نبينا (صلي الله عليه وسلم) فيما يرويه عن ربه (عز وجل): »‬قال الله تعالي: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطي بي ثم غدر، ورجل باع حراًفأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفي منه ولم يعطه أجره»، من خاف الله تعالي امتثل مكارم الأخلاق من الرحمة، والتسامح، والصدق والأمانة، والوفاء، والكلمة الطيبة، وغير ذلك، يقول ذو النون المصري: »‬الناس علي الطريق ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا الطريق.
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم
>>>
الحمد لله رب العالمين، وصلاة وسلاما علي خاتم أنبيائه ورسله سيدنا محمد (صلي الله عليه وسلم) وعلي آله وصحبه أجمعين.
إخوة الإسلام:
إن الخوف من الله (عز وجل) من أعظم العبادات التي إذا تمسك الناس بها استقام حالهم وفازوا في دنياهم وأخراهم، فمن أعظم آثار الخوف من الله (عز وجل) أنه يوقظ الضمائر في قلوب أصحابها، فينضبط السلوك والتصرفات، وتحفظ الحقوق وتؤدي الواجبات حتي وإن غابت رقابة البشر، فالخوف من الله والاستعداد للقائه أقوي في نفس المسلم من كل شيء، فصاحبه يدرك أن الله معه حيث كان، لا تخفي عليه خافية، ولا يغيب عنه سر أو علانية، يقول تعالي وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير» ، فإذا ترجم الخوف إلي عمل أثمر ثمراته اليانعة في الدنيا والآخرة، يقول سبحانه: »‬ولمن خاف مقام ربه جنتان».
ومن النماذج الطيبة التي نستدعيها من تاريخنا الخالد نتيجة الخوف من الله (عز وجل) قصة تلك المرأة صاحبة الضمير الحي والحس الإيماني في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حيث كان (رضي الله عنه) يتفقد المدينة ليلاً، فاتكأ علي جدار، فسمع امرأة تقول لابنتها: قومي إلي ذلك اللبن فامذجيه بالماء، فقالت لها: يا أماه أو ما علمت ما كان من عزمة أمير المؤمنين اليوم؟ قالت: وما كان من عزمته؟ قالت: إنه أمر مناديه فنادي أن لا يشاب اللبن بالماء، فقالت لها: يا بنية قومي فامذجيه بالماء، فإنك بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر، فقالت الصبية لأمها: والله ما كنت لأطيعه في الملا وأعصيه في الخلا، كل ذلك وأمير المؤمنين يسمع فسره أمانة الفتاة ويقظة ضميرها، فاختارها زوجة لأحد أولاده، وكان من ذريتها الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز (رضي الله عنه).
ومن ثمرات الخوف من الله (عز وجل) أنه يجعل صاحبه آمنا من عذاب الله يوم القيامة، حيث يقول نبينا (صلي الله عليه وسلم) فيما يرويه عن رب العزة سبحانه: »‬يقول الله - عز وجل - وعزتي لا أجمع علي عبدي خوفين وأمنين، إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة، ويقول (صلي الله عليه وسلم): »‬ثلاث منجيات: العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغني، وخشية الله في السر والعلانية».
فما أحوجنا إلي استشعار الخوف من الله تعالي في قلوبنا لتستيقظ ضمائرنا وتحيا قلوبنا، ويستقيم حالنا، فتنهض الأمة وترتقي، فإن سعادة  المجتمع ورقيه في يقظة ضمير أبنائه وتقوية الوازع الديني في نفوسهم، ومحاسبة أنفسهم قبل أن يحاسبوا أمام خالقهم، فإذا مات الضمير نتج عن ذلك فساد في الأخلاق والمعاملات، فما الذي يمنع أكثر الموظفين أن يرتشوا؟ وأكثر الكتاب أن يزوروا؟! وأكثر الأطباء أن يهملوا في علاج مرضاهم؟! وأكثر المعلمين أن يقصروا في واجبهم؟! وأكثر الطلاب أن يغشوا في الامتحان؟! وأكثر التجار أن يحتكروا في تجارتهم؟ إنه الخوف من الله (عز وجل) والخشية منه والرهبة من عظمته سبحانه.
اللهم وفقنا لطاعتك، واجعلنا من الذين يخافون ربهم ويخشونه في السر والعلن.


تعليقات القرّاء