كلام في الالحاد

رداً علي الملاحدة.. لا رابط بين مشروعية الصيام والاستعداد للحرب والقتال


د. محمد محمد داود dr.mohameddawood@yahoo.com
6/11/2017 12:59:35 PM

من أكثر القضايا أهمية قضية الإلحاد التي يروج لها بعض ضعاف النفوس لمحاربة الإسلام.. مع أن الإسلام هو دين العقل والاقناع حذر الناس من الوقوع في براثن الإلحاد.. ولذلك يقدم لنا الدكتور محمد داود في لقاءاته وحواراته وكتاباته مع أفكار الملحدين الجواب الشافي بالرد المقنع علي هؤلاء وافكارهم.

مضمون الشبهة
يدعي بعض المغالطين أن محمدا - صلي الله عليه وسلم - إنما شرع الصيام لتدريب صحابته - لا سيما المحاربين منهم - علي ما هم مقبلون عليه من جهاد ضد مشركي مكة، وأن الصيام - علي هذا - إنما هو تعويد لهم علي تحمل الجوع والظمأ وآلام القتال وفقط. وهم يرمون بهذا إلي إثبات أن تشريع الصيام صادر عنه - صلي الله عليه وسلم - وضعه تبعا لحاجات دعوته وظروف مجتمعه؛ بغية التشكيك في بواعث ذاك التشريع تمهيدا لإسقاطه.
وجها إبطال الشبهة:
1) ليس هناك أي ربط بين مشروعية الصيام والاستعداد للحرب علي أي وضع؛ بل العكس هو الصحيح؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: »تقووا لعدوكم»‬.
2) لو كان المقصود بالصيام تهيئة المسلمين عسكريا لتوخيت فيه المشقة، ولألغي بعد دخول العرب جميعا في الإسلام، ولكن الحكمة التشريعية منه بعيدة عن هذا.
التفصيل:
أولا: لا رابط بين مشروعية الصيام والاستعداد للحرب والقتال:
لعل مثيري هذه الشبهة يجهلون حقيقة الإسلام وتشريعاته، ولا يعرفون أبدا مواقف النبي - صلي الله عليه وسلم - وتشريعاته في السلم والحرب، ونحن نتحدي أي إنسان أن يأتي بنص من القرآن، أو من الأحاديث يمكن أن يفهم منه - ولو بالتأويل المحتمل - أن الصوم قد شرع من أجل تهيئة المسلمين عسكريا للغزو. إن هناك - مثلا - ربطا بين الصوم وكسر الشهوة الجنسية في قول الرسول عليه السلام:»‬يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء». كما أن هناك ربطا في عدد من الآيات القرآنية وأحاديث النبي - صلي الله عليه وسلم - بين الصوم وبعض الكفارات، كما في حالة المحصر الذي لا يمكنه حلق رأسه أثناء الحج والعمرة، والحنث في اليمين، والظهار في حالة الرغبة في استئناف الحياة الزوجية، لكن ليس هناك أي نص في القرآن الكريم أو الحديث الشريف يربط بين مشروعية الصيام والاستعداد للحرب علي أي وضع، بل العكس هو الصحيح، فقد أمر رسول الله - عليه السلام - أتباعه في سفرهم لفتح مكة أن يفطروا قائلا لهم: »‬تقووا لعدوكم».
لما أتي - صلي الله عليه وسلم - كراع الغميم والناس معه مشاة وركبانا، وذلك في شهر رمضان، قيل له: »‬يا رسول الله، إن الناس قد اشتد عليهم الصوم، وإنما ينظرون كيف فعلت؟ فدعا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بقدح فيه ماء فرفعه فشرب والناس ينظرون، فصام بعض الناس وأفطر بعضهم، حتي أخبر النبي - صلي الله عليه وسلم - أن بعضهم صائم، فقال صلي الله عليه وسلم: أولئك العصاة، أولئك العصاة».
فلو كان الصيام قد شرع من أجل الجهاد لتركهم النبي - صلي الله عليه وسلم - صائمين، وما وصف من بقي منهم علي صيامه بأنهم هم العصاة، ففي فعله هذا - صلي الله عليه وسلم - وقوله أكبر دليل علي بطلان هذا الزعم.
»‬وفي روايات أخري أن المسلمين أفطروا جميعا، وفي رواية أنهم صاموا حتي إذا بلغوا المنزل الذي يلقون فيه العدو أمرهم رسول الله بالفطر فأفطروا.
ونحن نعلم أن الله رخص للمسافر بالفطر، ومن شاء أن يصوم فلا حرج، لكن حين تشتد المشقة، وحين تتوقع مواجهة العدو، وهو ما تحتاج فيه إلي استنفار قوتك، فلا معني لهذا التشدد إلا علي أنه رفض لرخص الله، وتأمل هذا الموقف، رسول الله - صلي الله عليه وسلم - يتعمد أن يقف أمام الجميع وعلي مرأي منهم، فيشرب ليري الناس إفطاره، ومع ذلك فبعضهم يستمر في الصيام! أيريد أن يشعرنا بأنه أصلب من النبي - صلي الله عليه وسلم - في الصبر والطاعة؟!! بل أولئك هم العصاة، وليس التشدد في الدين والتنطع طاعة، بل هو معصية لله؛ لأن الله أمر ونهي وشرع لنا الدين ليرفع عنا المشقة والعنت، فمتي ندرك مقاصد الله في شرعه»؟
فيا ليت شعري كيف يقال بعد ذلك: إن الصوم شرع لإعداد مجتمع من المقاتلين أو تعويدهم علي تحمل آلام الجوع والعطش؟!!
وليس هذا فحسب، بل إنه في غزوة أخري قام المفطرون وحدهم بأعمال المعسكر؛ لأن الصائمين كانوا مجهدين بسبب الجوع والعطش والحر، فقال الرسول - صلي الله عليه وسلم - قولته ذات المغزي: »‬ذهب المفطرون اليوم بالأجر».
وليس هذا التخفيف في أثناء الغزو خاصا بالصيام وحده؛ بل هو أمر ملحوظ في الصلاة أيضا »‬صلاة الخوف»، وكذلك في الحج إذا أحصر المسلم، كما أن الحدود لا تقام علي الجنود في الغزوات.
ولقد كان الرسول - صلي الله عليه وسلم - يصوم عاشوراء في الجاهلية، ولم تكن هناك دولة عسكرية أو غير عسكرية، أو حروب تحتاج إلي الاستعداد لها بالصوم. وعندما هاجر إلي المدينة ورأي اليهود يصومونه قال:»‬نحن أولي بموسي منكم».
كما أن الإذن بالقتال قد نزل بعد بيعة العقبة الثانية، علي حين لم يشرع الصيام في رمضان إلا بعد الهجرة بعامين. ولو كان الصيام قد فرض علي المسلمين من أجل تهيئتهم عسكريا، أفما كان ينبغي أن يقترن نزول الإذن بالقتال وفرض صوم رمضان معا؟
ثم إنه لو كان المقصود بالصيام تهيئة المسلمين للحروب التي كان عليهم أن يخوضوها، فلم فرض علي النساء أيضا، والغزو غير واجب عليهن، ولم يكن يشاركن فيه، اللهم إلا بسقي العطشي ومداواة الجرحي إن فعلن؟ ولـم فرض علي العمي والعرج والشيوخ والمتفرغين للتفقه في الدين الذين لم يكونوا يخرجون للغزو والقتال؟!
وكذلك لو كان الصيام شرع لتهيئة المسلمين لمقاتلة سائر العرب لانصب الاهتمام فيه علي الامتناع عن الطعام والشراب والجماع، بيد أن الأحاديث النبوية تتضافر علي إبراز أهمية الجانب الأخلاقي والنفسي فيه؛ بحيث إن المسلم قد يصوم طوال رمضان عن شهوات البطن والفرج ثم لا يحسب له أجر هذا الصيام كاملا بسبب عدم امتناعه عن الغيبة والنميمة وقول الزور... إلخ.
ثانيا. الحكمة التشريعية من الصيام بعيدة كل البعد عن تهيئة المسلمين للحرب والقتال:
لو كان الهدف من تشريع الصيام تهيئة المسلمين عسكريا لتوخيت فيه المشقة بكل سبيل، وروعي فيه مثلا أن يكون في فصل الحر دائما، وأن يؤخر الفطر ويعجل السحور، وأن يصوم من أكل أو شرب ناسيا يوما آخر بدل اليوم الذي أفطره؛ لكونه لم تتحقق فيه الحكمة من تهيئة الفرد لتحمل مشاق الحروب والغزوات، ورسول الله - صلي الله عليه وسلم - شهرا شديد الحرارة فيه القيظ اللاهب؛ بقصد تعويد أتباعه علي تحمل المصاعب والشدائد في كل الظروف والأحوال؛ حتي يكونوا دائما علي مستوي الحروب والمعارك التي كان عليهم أن يخوضوها باستمرار بغية إقامة دولتهم - كما يدعي المدعون - التي كانت هي - ولا شيء غيرها - الهم الشاغل الأوحد في حياته.
ويثبت لنا فساد هذا الزعم إذا علمنا أن رمضان - شهر الصيام - شهر قمري، أي يتغير ميعاده كل عام: فتارة يأتي في أول الصيف أو في وسطه أو في آخره، وتارة في الخريف، وثالثة في الشتاء، وتارة رابعة في الربيع، كل ذلك علي نفس الوضع المذكور توا، فلو كان الصيام من أجل إعداد المقاتلين فلا يتناسب أبدا إعدادهم البدني علي تحمل آلام الجوع والعطش في الشتاء؛ لعدم وجود الحاجة الملحة من حر الجو إلي الأكل والشراب.
إن الذي يريد أن يعود جيشه علي الحروب؛ فإنه يستخدم أكثر الأوقات شدة وحرارة حتي يتعود الجنود علي ذلك، فإذا ما واجهوا هذه المواقف في حروبهم مرت عليهم سهلة يسيرة، واستطاعوا التغلب عليها، وإلا لصدم الجنود إذا هم تدربوا علي مواقف معينة، ثم وجدوا في الحروب ما هو أشد وأعنف، ولكانت الهزيمة هي مصير هذا الجيش، ولا إتهم قائده بالسذاجة وعدم معرفته بفنون القتال والحرب، وهذا علي عكس ما كان عليه الجيش الإسلامي وقائده صلي الله عليه وسلم.
ومن جهة أخري لو كان الصيام قد فرض علي المسلمين لحرب العرب وتمرينهم علي القتال، لكانت النتيجة الطبيعية لدخول العرب جميعا في الإسلام في أواخر حياة الرسول - صلي الله عليه وسلم - هي إلغاء هذا الفرض؛ إذ قد حصلت الغاية منه، ولم تعد ثمة حاجة إليه، إذ لا حروب بين العرب؛ لأنه قد جاءت الوفود خاضعة للنبي صلي الله عليه وسلم.
وكذلك لو كان الصيام قد فرض لتهيئة المسلمين للحرب، لـما فرضت كفارة علي من لا يستطيعون أداءه، وهم بالضرورة لا يستطيعون القتال ولا يستطيعون الجهاد، وغير ذلك كثير من أحكام الصيام، وكذلك لـم لم يوجه مال الكفارة إلي شراء السلاح للجيش والإنفاق علي الجنود بدلا من إعطائه للمساكين؟
1والمتأمل فيما قد يستنبط من حكم مشروعية الصيام؛ يجد أن المقصود من تشريعه بعيد كل البعد عما ادعاه هؤلاء المفترون.
   فالصوم وسيلة إلي شكر النعمة؛ إذ هو كف النفس عن الأكل والشرب والجماع، وإنها من أجل النعم وأعلاها، والامتناع عنها وقتا معتبرا يشعر المسلم الصائم بقيمتها وقدرها؛ إذ النعم مجهولة، فإذا فقدت عرفت، فيحمله ذلك علي قضاء حقها بالشكر، وشكر النعم فرض عقلا وشرعا، وإليه أشار الرب - عز وجل - بقوله في آية الصيام: (ولعلكم تشكرون ) (البقرة: 185).
   إن الصوم وسيلة إلي التقوي؛ لأنه إذا انقادت نفس للامتناع عن الحلال طمعا في مرضاة الله تعالي وخوفا من أليم عقابه؛ فأولي بها أن تنقاد للامتناع عن الحرام، فكان الصوم سببا لاتقاء محارم الله تعالي، وإليه وقعت الإشارة بقوله تعالي في آخر آية الصوم: )لعلكم تتقون) (البقرة: 183).
ف  : ا          .