كلام في الالحاد

ادعاء أن تحويل القبلة دليل علي تناقض في فعل الله عز وجل


د. محمد محمد داود dr.mohameddawood@yahoo.com
5/11/2017 11:43:19 AM

من أكثر القضايا أهمية قضية الإلحاد التي يروج لها بعض ضعاف النفوس لمحاربة الإسلام.. مع أن الإسلام هو دين العقل والإقناع حذر الناس من الوقوع في براثن الإلحاد.  ولذلك يقدم لنا الدكتور محمد داود في لقاءاته وحواراته وكتاباته ومع  إنكار الملحدين الجواب الشافي بالرد المقنع علي هؤلاء وا فكارهم ففي هذا الجزاء الرد بموضوعية علي الفهم الخاطيء حول دعوي رفض أمور الدين لتعلقها بغيبيات قد تتعارض مع العقل والمنطق.

  مضمون الشبهة:
 يدعي بعض المغرضين أن تحويل القبلة من بيت المقدس  إلي البيت الحرام دليل علي اضطراب العبادة الإسلامية، ويرددون  في هذا السياق كلاماً  قديماً كانت قد قالته اليهود والمنافقون يومئذ من أن القبلة الحقة إن كانت الكعبة فلم لم يوجه الله المسلمين إليها منذ بداية الدعوة؟ وإذا كانت قبلة بيت  المقدس باطلة فلم توجه إليها المسلمون في البداية؟ ويتساءلون»‬ ألا يدل ذلك علي وقوع التناقض في فعل الذات الإلهية؟
 وجها إبطال الشبهة:
 1) علم الله - عز وجل - الشامل المحيط يمنع من وقوع التناقض في أحكامه وشرعه.
2) ثمة مقاصد شرعية وحكم إلهية وراء تحويل القبلة .من المسجد الأقصي إلي البيت الحرام، ولله - عز وجل - أن يبتلي عباده بما شاء، وله في ذلك الحكمة البالغة.
 التفصيل:
 أولا: لا تناقض في أفعال الله  عز وجل:
 من المقرر في العقيدة الإسلامية أن  البداء ممتنع علي الله عز وجل وهو أن يظهر شيئا كان يجهله، أو تضيف له الوقائع علماً لم يكن له، فذلك كله ينافي الألوهية وصفات الكمال الثابتة له.
 ومتي ثبت ذلك علمنا أن النهي عما كان مباحاً أو إباحة ما كان منهيا عنه إنما هو لحكم ومقاصد إلهية اقتضتها الملابسات والأحوال، والنهي والإباحة جميعا كانا في علم الله السابق القديم الذي لا يعزب عنه شيء ولايند عنه مخلوق، وعن هذا العلم
 الشامل المحيط تأتي أحكام الله وأوامره، لا عن التفكير والتدبر وإجالة الخاطر كما هي أحوال البشر، وتحويل القبلة من بيت المقدس إلي البيت الحرام هو مثال لهذا التغيير الذي تقف وراءه مقاصد وحكم إلهية.
 وهذا التحويل لا يدل - بحال - علي تناقض أفعاله سبحانه، إنما هي حكمة أرادها، ليعلم الذين صدقوا وليعلمن المنافقين، ولله - عز وجل - أن يبتلي عباده بماشاء وقتما شاء ولايسأل عن ذلك، لأنه خالقهم وهوأعلم بهم، وأعلم بما يصلحهم.
 وقد أخبر الله - عز وجل - بما سيقوله اليهود في هذا التحويل، مع علمهم أن هذا سيكون، وفي كتبهم معلوم، وأن توجه النبي - صلي الله عليه وسلم - إلي بيت المقدس لم يدم، وقد ذكر الله تعالي موقفهم هذا  فقال:  (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن  قبلتهم التي كانوا عليها قل  لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلي صراط مستقيم. (البقرة:142).
 فقد أخبر الله بما سيقال، وعلم نبيه كيف يرد عليهم.
 ما كان تحويل القبلة عبثا، وإنما كان لحكمة إلهية، أرادها الله - عز وجل- وأخبر بها:
( وماجعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب علي عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا علي الذين هدي الله) (البقرة: 143)
 لقد بين سبحانه أن هذا التحويل كان بلاء، واختبارا ليتميز عند الناس  المؤمنون  المخلصون من الشاكين المرتابين.
 ومن حكمة تحويل القبلة إثبات صدق نبوته ودعوته وفضله صلي الله عليه وسلم وتحويل القبلة جلي الإيمان في نفوس المؤمنين، والنفاق والشرك في نفوس أصحابه فالمؤمنون قالوا: سمعنا وأطعنا، كل من عند ربنا،  أما اليهود فقالوا: خالف قبلة الأنبياء، ولو كان نبيا لاستمر علي قبلته، وأما المنافقون فقالوا: ما يدري محمد أين يتجه في صلاته؟ إن كانت الأولي حقا فقد تركها، وإن كانت الثانية حقا فقد كان علي الباطل) كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا. ( الكهف:5)
 ويقول سيد قطب: » لقد كان تحويل القبلة أولا عن الكعبة إلي المسجد الأقصي لحكمة تربوية أشارت إليها آية: »‬وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب علي عقبيه» ( البقرة : 143) فقد كان العرب يعظمون البيت الحرام في جاهليتهم، ويعدونه عنوان مجدهم القومي.. ولما كان الإسلام يريد استخلاص القلوب لله، وتجريدها من التعلق بغيره، وتخليصها من كل نعرة وكل عصبية لغير المنهج الإسلامي المرتبط بالله مباشرة، المجرد من كل ملابسة تاريخية أو عنصرية أو أرضية علي العموم.. فقد نزعهم نزعاً من الاتجاه إلي البيت الحرام، واختار لهم  الاتجاه - فترة - إلي المسجد الأقصي، ليخلص نفوسهم من رواسب الجاهلية، ومن كل ما كانت تتعلق به في الجاهلية، وليظهر من يتبع الرسول إتباعا مجردا من كل إيحاء آخر، إتباع الطاعة  الواثقة الراضية المستسلمة ممن ينقلب علي عقبيه اعتزازا بنعرة جاهلية تتعلق بالجنس والقوم والأرض والتاريخ، أو تتلبس بها في خفايا المشاعر وحنايا الضمير أي تلتبس من قريب أو من بعيد..
حتي إذا استسلم المسلمون واتجهوا إلي القبلة التي وجههم إليها الرسول -
صلي الله عليه وسلم - وفي الوقت ذاته بدأ اليهود يتخذون من هذا الوضع حجة لهم، صدر الأمر الإلهي الكريم بالاتجاه الي البيت الحرام »‬
 ثانيا: لله تعالي أن يبتلي من شاء من عباده بما يشاء من الأحوال:
 لله تعالي أن يبتلي من شاء من عباده بما يشاء من الأحوال، لايسأل عما يفعل وهم يسألون، فأما من كان من أهل الإيمان فسيقول سمعنا وأطعنا، وأما أهل الزيغ فسيقولون سمعنا وعصينا.
 وقد إبتلي الله - عز وجل  - الأنبياء من قبله بأنواع مختلفة من  الابتلاءات، ولم يقل واحد منهم : لم ؟
 فكان هذا التحويل بلاءً واختبارا ليميز الله المؤمنين المخلصين من الشاكين المرتابين، فقال سبحانه وتعالي (وماجعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب علي عقبيه وإن كانت  لكبيرة إلا علي الذين هدي الله وماكان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم.  (البقرة:143)
 ولما كان نسخ القبلة أول نسخ وقع في الإسلام، وقارنه إرجاف اليهود والمنافقين، أكد الله سبحانه الأمر بالتوجه الي الكعبة في ثلاثة مواضع متقاربة: فقال سبحانه وتعالي(قد نري تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها) (البقرة:144) وقال ثانيا: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون) (البقرة:149) وقال  ثالثا: ( ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ماكنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم  واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون. (البقرة:150).
 وهذا الترديد والتكرار يظهر الشدة التي دلقيها المؤمنون من هذا التحويل، وكذلك يظهر قوة إرجاف اليهود والمنافقين وأن قلوبا من المسلمين مالت إلي قولهم.
 الخلاصة:
إن تغيير القبلة وتحويلها من بيت المقدس إلي البيت الحرام في مكة لا يدل بحال علي تناقض في أفعاله - عز وجل - لأن علم الله أزلي شامل محيط لما كان وما سيكون، فلا تزيده الوقائع علما كما هي حال البشر.
 والله تبارك وتعالي يفعل ما يشاء وقت ما يشاء، ولايسأل عما يفعل، لأنه هوالخالق والمدبر، وليس هذا فحسب، بل يريد بذلك اختبار عباده وامتحانهم، ليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب علي  عقبيه.
 ولله أن يغير ماشاء من أحكامه وشرعه وقت مايشاء لأنه  تعالي أعلم بالناس من أنفسهم ويعلم ما يصلحهم