كلام في الالحاد

التشكيك في ثبوت معجزة الإسراء والمعراج.. (٣)


د. محمد محمد داود dr.mohameddawood@yahoo.com
5/7/2017 2:29:46 PM

من أكثر القضايا أهمية قضية الإلحاد التي يروج لها بعض ضعاف النفوس لمحاربة الإسلام.. مع أن الإسلام هو دين العقل والاقناع حذر الناس من الوقوع في براثن الإلحاد.. ولذلك يقدم لنا الدكتور محمد داود في لقاءاته وحواراته وكتاباته مع انكار الملحدين الجواب الشافي بالرد المقنع علي هؤلاء وأفكارهم.. ففي هذا الجزء الرد بموضوعية علي الفهم الخاطيء حول دعوي رفض أمور الدين لتعلقها بغيبيات قد تتعارض مع العقل والمنطق.

قال الإمام تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني في بعض كتبه بعد أن ذكر الفناء المحمود، والفناء المذموم: »ولهذا لما سلك ابن عربي وابن سبعين وغيرهما هذه الطرق الفاسدة أورثهم ذلك الفناء عن وجود السوي فجعلوا الموجود واحدا، ووجود كل مخلوق هو عين وجود الحق، وحقيقة الفناء عندهم ألا يري إلا الحق، وهو الرائي والمرئي، والعابد والمعبود، والذاكر والمذكور، والناكح والمنكوح، والآمر الخالق هو المأمور المخلوق وهو المتصف بكل ما يوصف به الوجود من مدح وذم، وعباد الأصنام ما عبدوا غيره، وما ثم موجود مغاير له ألبتة عندهم، وهذا منتهي سلوك هؤلاء الملحدين!
وأكثر هؤلاء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود يقولون: إن فرعون أكمل من موسي، وإن فرعون صادق في قوله: »‬أنا ربكم الأعلي»‬؛ لأن الوجود: فاضل ومفضول، والفاضل يستحق أن يكون رب المفضول، ومنهم من يقول: إنه مات مؤمنا، وإن إغراقه كان ليغتسل غسل الإسلام».
»‬وحدة الوجود».
فالحق أن فكرة وحدة الوجود فكرة زائفة، تصادم نصوص الدين القطعية، ولا يدل عليها شيء من قرآن أو سنة، وأن العقيدة الإسلامية السمحة براء من مذهب تفسير الإسراء والمعراج بهذا يلزم إنكار النصوص أو تحريفها:
ثم إن تفسير الإسراء والمعراج بهذه الفكرة أو غيرها، وتصويرهما هذا التصوير الذي ارتضاه المدعي يقتضي إنكارها علي حسب ما جاء به القرآن القطعي، والسنة الصحيحة المشهورة، فليس ثمة إسراء حقيقة من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصي بذات النبي - صلي الله عليه وسلم - وليس هناك عروج بالنبي - صلي الله عليه وسلم - من بيت المقدس إلي السماوات السبع وما فوقهن، ولا صلاة بالأنبياء، ولا لقاء ولا تسليم، ولا تكليم من الله لنبيه، وإنما كل ذلك تمثيل وتقريب علي حد زعمهم.
وما الداعي إلي ذلك ما دام الكون كله قد اجتمع في روح النبي صلي الله عليه وسلم، كما قال صاحب الرأي: فالمسجد الحرام في روحه، والأقصي في روحه، والسماوات وما فيهن في روحه، ووجودهما في وجوده!
إغراب وتشويش:
ثم ما الداعي إلي كل هذا التكلف والإغراب المدعي في فهم نصوص صريحة جاءت بلسان عربي مبين؟! وما الذي حدا بهؤلاء الأدعياء إلي أن »‬يشطحوا» هذه »‬الشطحات» التي لا داعي إليها؟!
إن الإسراء والمعراج كما جاء بهما القرآن والأحاديث الصحاح أقرب منالا، وأشد استساغة لعقول الناس مما ذهب إليه المدعون، ولو جلست زمانا لتفهم رجلا أميا أو متعلما، بالإسراء والمعراج علي ما رأي هؤلاء ما أنت بمستطيع إفهامه هذه الألغاز والطلاسم التي حاول المدعون بها إحداث رأي جديد.
وهل تصوير الإسراء والمعراج بهذا التصوير إلا إشكال علي عقول الكثرة من الناس، ومخاطبة لهم بما لا تبلغه عقولهم ومداركهم، وقد أمرنا أن نحدث الناس بما يعقلون وأن ندع ما ينكرون، وفي الحكم الذهبية عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: »‬ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم» .
والحق أن الإغراب علي القراء بمثل هذه الأفكار المسمومة، والآراء الشاذة الغريبة تشكيك لهم في عقائدهم الصحيحة، وتسميم لعقولهم، وانحراف بهم عن فطرتهم السليمة، والحق أبلج لا يحتاج إلي تكلف، وتفلسف من غير داع وقد حكي القرآن الكريم عن النبي صلي الله عليه وسلم: »‬وما أنا من المتكلفين».
الخلاصة:
> إن الإسراء والمعراج من الأمور العجيبة والمدهشة حقا، ولكن العجب والدهشة شيء وإنكارها شيء آخر، وقد تكون محيرة للعقل ولكنها ليست مستحيلة في منطق الوحي، وإلا فكيف نفسر عقلا إحياء عيسي للموتي، وانبجاس الحجر ماء لموسي، وكيف تفسر عقلا ما فعلته عصا موسي مع فرعون، ومعلوم أن الرسول جاء بما يحير العقول وليس بما تتخيله العقول، فالإسراء والمعراج من الأمور التي لا يرفضهما العقل والبحث العلمي، فقد استطاع الإنسان في العصر الحديث أن يغزو الفضاء بعلمه وقدرته المحدودتين، فكيف يستبعد عن الخالق أن يسري بنبيه - صلي الله عليه وسلم - وأن يعرج به إلي السماء وهو القادر علي كل شيء وهو الذي يقول للشيء كن فيكون.
   ليست رؤيا منامية
معجزة الإسراء والمعراج كما يدعي المشككون؛ لأن رؤيا المنام من الأمور المعتادة التي لا تستنكر، ولو كانت كذلك لما وجد كل هذا الاعتراض من كفار قريش علي النبي - صلي الله عليه وسلم - ولما ارتد بعض من دخل في الإسلام، تري هل كل هذا يحدث بسبب رؤيا منامية؟!
  قول باطل
 إن القول بأن معجزة الإسراء والمعراج ضرب من الأفكار الفلسفية مثل وحدة الوجود، وتزييف للحق؛ لأن هذه الأفكار الفلسفية لا أصل لها في الإسلام، ولا دليل عليها من عقل أو نقل، وأكثر من يقول بهذه الأفكار هم الملحدون الذين ينكرون الألوهية، فلا يمكن تشبيه معجزة من أعظم المعجزات التي حدثت للنبي - صلي الله عليه وسلم - بمثل هذه الأفكار.
   إن معجزة الإسراء والمعراج حقيقة ثابتة بالكتاب والسنة، وقد أثبت النبي - صلي الله عليه وسلم - صدق حديثه عن هذه المعجزة بأدلة واضحة أخرست ألسنة أهل مكة، وأفحمتهم، ومن ذلك: وصفه - صلي الله عليه وسلم - المسجد الأقصي وصفا دقيقا، فكان هذا الوصف دليلا آخر علي صدقه، يجزم بكونها حال اليقظة لا المنام، وبالبدن والروح لا بالروح فحسب.


تعليقات القرّاء