خطبة الجمعة

التضحية من أجل الأوطان


3/12/2017 1:09:17 PM

استجابة لرغبة أئمة وزارة الأوقاف من قراء »اللواء الإسلامي»‬ تقدم الجريدة خدمة صحفية متميزة حيث تفرد هذه المساحة من كل عدد لنشر خطبة الجمعة الموحدة من وزارة الأوقاف متضمنة عناصر الخطبة والأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية.
وننشر خطبة الجمعة القادمة تحت عنوان: »‬التضحية من أجل الأوطان»

الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه العزيز: (إن الله اشتري من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن)، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين، وبعد:
فلقد خلق الله (عز وجل) الإنسان وفطره علي حب الوطن والانتماء إليه، والتضحية من أجله، والشهادة في سبيله، فمحبة الوطن فطرة فطر الله الناس عليهاعلي اختلاف أعراقهم ومشاربهم، وعندما جاء الإسلام بشريعته السمحة جعل حب الوطن سبيلاً للعمل الصالح وفعل الخيرات.
وقد اقترن حب الوطن في القرآن الكريم بحب النفس، قال تعالي: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو أخرجوامن دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم)، ومن ثم فليس بغريب أن يحب الإنسان وطنه ويحن إليه، فقد نشأ علي ثراه، وشب علي أرضه، وترعرع بين جنباته، وما ذلك إلا دليل علي قوة الارتباط وصدق الانتماء.
وخير دليل علي ذلك: ما أعلنه نبينا (صلي الله عليه وسلم) عن حبه لوطنه، ومدي وفائه وتعلقه الكبير ببلده مكة، وهو يغادرها مهاجرا إلي المدينة، حيث قال: (ما أطيبك من بلدة وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك)، وفي رواية أخري (ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت).
وحين انتقل (صلي الله عليه وسلم) مهاجرا بأمر ربه إلي المدينة سأل الله تعالي أن يحببها إليه وأن ينعم فيها بالراحة والسكينة، والأمن والطمأنينة، فقال (صلي الله عليه وسلم): (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا لمكة أو أشد)، هكذا ضرب نبينا (صلي الله عليه وسلم) أروع الأمثلة في حبه لوطنه.
علي أن حب الوطن لايتوقف عند مجرد المشاعر والعواطف فحسب، بل يجب أن يترجم إلي عمل وسلوك صالح نافع للفرد والمجتمع، ومن ثم فلابد من التضحية لأجل بقائه قويا عزيزا، فالانتماء للوطن يوجب علي أبنائه أن يعتزوا به، وأن يتكاتفوا جميعا للحفاظ عليه، وأن يسهموا بقوة في نهضته بالعلم والعمل والإنتاج، علي أن للتضحية من أجل الأوطان صورا متعددة، منها:
التضحية بالنفس، وهي أعلي صور التضحية من أجل المحافظة علي الأوطان، فحراسة الأوطان والدفاع عنها واجب شرعي وضرورة وطنية عدّها الشرع من أفضل الأعمال عند الله (عز وجل)، وقد بشر النبي (صلي الله عليه وسلم): (عينان لاتمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)، والعين هنا مراد بها الجسد كله، غير أنه (صلي الله عليه وسلم) عبر بالعين كونها تحرس وتراقب، فعبر بالبعض وأراد الكل.
وأعلي درجات التضحية بالنفس أن ينال الإنسان الشهادة التي تعني بذل النفس والمال نصرة لدين الله (عز وجل)، ودفاعا عن الوطن والأرض والعرض والمال، فالشهادة في سبيل الوطن منزلة تجعل صاحبها في صحبة الأنبياء والصديقين، قال تعالي: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا)، فالشهداء مصطفون باصطفاء الله تعالي لهم، حيث قال سبحانه: (وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء)، وهم أرفع الناس درجة بعد الأنبياء والصديقين، وهم في ذاكرة الأمة مخلدون وعند ربهم أحياء يرزقون، قال تعالي: (ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون).
وقد بشر النبي (صلي الله عليه وسلم) كل من ضحي بنفسه دفاعا عن وطنه فنال الشهادة في سبيل الله (عز وجل) ببشارات متعددة  تؤكد علي فضل الشهادة في سبيل الله وترغب فيها، وتبين مكانة الشهداء عند الله (عز وجل)، منها: قوله (صلي الله عليه وسلم): (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويري مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويوضع علي رأسه تاج الوقار، الياقوته منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه).
ومنها: تميز الشهداء يوم القيامة بهيئة خاصة وبريح طيبة تنبعث من أجسادهم تتطاول لها الأعناق وتنحني لها الهامات إجلالا واحتراما، يقول (صلي الله عليه وسلم): (والذي نفسي بيده لايكلم أحد في سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك).
وكذلك رأينا الشهيد وحده من أهل الجنة هو من يتمني أن يرجع إلي الدنيا لينال شرف القتل في سبيل الله عدة مرات، يقول: (صلي الله عليه وسلم): (ما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلي الدنيا وأن له ما علي الأرض من شيء غير الشهيد فإنه يتمني أن يرجع فيقتل عشر مرات لما يري من الكرامة).
ولأجل هذه المنزلة والكرامة رأينا الصحابة (رضوان الله تعالي عليهم) يتسابقون ويتنافسون في التضحية من أجل وطنهم لبلوغ هذه المنزلة، فهذا سيدنا حنظلة غسيل الملائكة (رضي الله عنه) يضحي بنفسه ويخرج للجهاد صبيحة ليلة زفافه، ويسقط شهيداً في غزوة أحد، وكذلك عمروبن الجموح (رضي الله عنه) كان أعرج إلا أنه أصر علي الخروج للجهاد في سبيل الله لما للشهادة من منزلة ومكانة عند الله (عز وجل)، ولم يقتصر الأمر في التضحية علي الرجال فحسب، بل وجدنا السيدة أم عمارة نسيبة بنت كعب (رضي الله عنها) تضحي بنفسها دفاعا عن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) حتي كثرت الجروح في جسدها.
وجدير بالذكر أن هناك فرقا بين التضحية بالنفس في سبيل الوطن وبين من يفجر نفسه لإيذاء الآخرين، فليس هناك شرع يبيح أو يجيز ذلك، ففي العمليات الانتحارية تتعدد الجرائم، فمن يفجر نفسه سواء آذي غيره أم لم يؤذ منتحر يعجل بنفسه إلي الهلاك، وقد نهي الحق سبحانه وتعالي عن قتل النفس، أو الاعتداء عليها بأي لون من الألوان، فقال سبحانه: (ولاتقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما)، فكيف به إذا تسبب في قتل غيره من النساء والأطفال والبرءاء من ذوي الدماء المعصومة، قال تعالي: (ولاتقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون) حتي إن فجر غيره عن بعد فهو قاتل ومفسد ومعتد.
علي أن هذه التفجيرات الإجرامية إذا استشرت ولم تواجه بيقظة وحزم من الجميع أكلت الأخضر واليابس وارتدت علي أصحابها والمحرضين لهم، والصامتين عن جرائمهم، والمترددين والخائفين، يقول سبحانه: (واتقوا فتنة لاتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب).
ومن صور التضحية: التضحية بالمال، وهو أمر ليس بالسهل الميسور، بل هو صعب علي أكثر الناس، لتعلق القلوب بحب المال، لذا كان بذله نوعا من التضحية والعطاء، قال تعالي: (وأنفقوا في سبيل الله ولاتلقوا بأيديكم إلي التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)، وقد جعل الله سبحانه التضحية بالمال في أوجه الخير قرضا حسنا، قال تعالي: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون).
وقد ضرب الصحابة (رضوان الله تعالي عليهم) أروع الأمثلة في التضحية والفداء، فكانوا يضحون بكل غال ونفيس من أجل الحفاظ علي وطنهم، فهذا أبوبكر الصديق (رضي الله عنه) يضحي بماله في سبيل تجهيز جيش المسلمين، وكذلك ضحي سيدنا عثمان بن عفان (رضي الله عنه) بماله لتجهيز جيش العسرة، وشراء بئر رومة، حين قال النبي (صلي الله عليه وسلم): (من جهز جيش العسرة فله الجنة) فجهزه عثمان (رضي الله عنه)، وقال (صلي الله عليه وسلم): (من يحفر بئر رومه فله الجنة) فحفرها عثمان، وكذلك سيدنا عبدالرحمن بن عوف وغيرهم من الصحابة (رضي الله عنهم) ضحوا من أجل دينهم وحبهم لوطنهم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
> > >
الحمد لله رب العالمين، وصلاة وسلاما علي خاتم أنبيائه ورسله سيدنا محمد (صلي الله عليه وسلم)، وعلي آله وصحبه أجمعين.
إخوة الإسلام:
إن مجالات التضحية من أجل الأوطان لاتنحصر في بذل النفس والمال فقط، بل تشمل كل مجالات التضحية بالجهد أو بالفكر أو بالوقت، يقول الحق سبحانه: (وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم)، ويقول (عز وجل): (وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم)، لتشمل التضحية كل أنواع الخير، فالمعلم يضحي من أجل نشر العلم وبناء الأمة وصناعة القادة والعظماء، وكذلك التضحية بالوقت والجهد، لقضاء حوائج الناس والصلح بينهم، قال تعالي: (لاخير في كثير من نجواهم  إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف تؤتيه أجرا عظيما).
ومن التضحية من أجل الوطن: التعاون  في العمل العام الذي يسهم في بناء الوطن ويرقي بالمجتمع، ونحن في هذه الأيام أمام قضية هامة هي قضية التعداد السكاني، والتاريخ يؤكد أن الأنبياء والرسل كانوا يهتمون بالتعداد السكاني، وعندما هاجر النبي (صلي الله عليه وسلم) إلي المدينة المنورة طلب من أصحابه إجراء حصر بعدد المسلمين وذلك لتدبير شئون الرعية وبخاصة أن عددهم لم يكن معروفا لتعدد القبائل ووجود مهاجرين وأنصار، وأما باقي قبائل المدينة من أهل الكتاب فكان عددهم معروفاً.
ومن ثم كان اهتمام الإسلام بقضية تعداد السكان، فعن حذيفة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلي الله عليه وسلم): (أحصوا لي كم يلفظ الإسلام)، قال: فقلنا: يا رسول الله، أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة إلي السبعمائة؟ قال: (إنكم لاتدرون لعلكم أن تبتلوا)، قال: (فابتلينا حتي جعل الرجل منا لايصلي إلا سراً). وفي رواية: (أحصوا لي كل من تلفظ بالإسلام)، وفي رواية: (اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس، فكتبنا له ألفاً وخمسمائة).
وقد سار الصحابة (رضوان الله عليهم) علي هذا النهج في التعداد والحصر حتي سجلوا للتاريخ أعداد من شاركوا في الغزوات، وأعداد من استشهدوا، وكذا أعداد من تم أسره، بل ذكروا لنا تعداد الخيول وآلات الحرب وغيرها.
وإذا كان ولاة الأمر قد دعوا إلي التعداد السكاني لتدبير شئون الرعية فإن ذلك يفرض علينا أن نكون عونا لهم فيما دعوا إليه، ففيه إحياء لسنن المرسلين، وحل لمشاكل المواطنين.
فما أحوجنا إلي التحلي بقيمة التضحية من أجل الوطن، لنرضي ربنا، وليستعيد وطننا أمجاده، وننتصر علي أعدائنا، فيسود الحق والعدل، ويعم الخير والأمن.
اللهم آمنا في أوطاننا، واحفظ مصرنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.


تعليقات القرّاء