خطبة الجمعة

الأخلاق أساس الحضارات الراقية


3/5/2017 2:19:57 PM

استجابة لرغبة أئمة وزارة الأوقاف من قراء »اللواء الإسلامي»‬ تقدم الجريدة خدمة صحفية متميزة حيث تفرد هذه المساحة من كل عدد لنشر خطبة الجمعة الموحدة من وزارة الأوقاف متضمنة عناصر الخطبة والأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية.
وننشر خطبة الجمعة القادمة تحت عنوان: »‬الأخلاق أساس الحضارات الراقية»

الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه العزيز:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، وأَشهدُ أنْ لاَ إلهَ إِلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وأَشهدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عَبدُه ورسولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَيه وعلَي آلِهِ وصحبِهِ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَي يومِ الدِّينِ، وبعد :
فمما لا شك فيه أن مكارم الأخلاق من القواسم المشتركة بين جميع الشرائع السماوية، يقول نبينا (صلي الله عليه وسلم) : (إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَي إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ)، فالأخلاق ليست أمرًا يمكن الاستغناء عنه، بل هي أصل من أصول الحياة التي تتطلبها كل الأديان، فهي غاية العبادات، وأساس قيام الحضارات الراقية، ومصدر من مصادر سعادة الإنسان، علي أن الحضارات التي لا تقوم علي القيم والأخلاق تحمل عوامل سقوطها في أصل قيامها وأساس بنيانها.
وبكريم الأخلاق أثني الحق سبحانه وتعالي علي أنبيائه ورسله (عليهم السلام) فقال سبحانه في شأن سيدنا إبراهيم:{وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّي}، وفي شأن سيدنا إسماعيل (عليه السلام) قال سبحانه:{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا}، فقد وصفه بصدق الوعد وقدمه علي النبوة والرسالة، وجمع سبحانه وتعالي الأمر كله لنبينا (صلي الله عليه وسلم) فقال:{وَإِنَّكَ لَعَلَي خُلُقٍ عَظِيمٍ}، وهذا ما قرره الإسلام وبُعثَ به رسول الله (صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حيث قال: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ).  
والمتأمل في حياة بعض الناس اليوم يجد أنهم قد ابتعدوا عن المنهج الصحيح للإسلام، واختزلوا الشريعة الإسلامية في مجرد الأحكام التعبدية فقط، لذلك ضلوا الطريق وحادوا عنه، ومن ثم وجدنا أزمة أخلاقية، فرأينا من يعق أباه أو يؤذي أمه، ورأينا من يأخذ أكثر من حقه ولا يؤدي ما عليه من واجب، رأينا من يدعي الإيمان ويتاجر بالدين ثم يقتل، ويدمر، ويفجر وهو مؤد للشعائر، محافظ عليها غاية الحفاظ، ولله در القائل: (إِنَّ قَوْمًا طَلَبُوا الْعِبَادَةَ وَتَرَكُوا الْعِلْمَ حَتَّي خَرَجُوا بِأَسْيَافِهِمْ عَلَي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَلَوْ طَلَبُوا الْعِلْمَ لَمْ يَدُلَّهُمْ عَلَي مَا فَعَلُوا).  
وقد ربط الإسلام بين الشريعة والأخلاق الحميدة والعبادات والآداب الرفيعة، والمتأمل في النصوص الشرعية يجد أن من حكمة مشروعية العبادات في الإسلام تهذيب سلوك الفرد وتزكية أخلاقه، لينعكس علي تصرفاته وأفعاله وسائر أحواله، ومن ثم علي مجتمعه، فيبني مجتمعًا متحضرًا يتمتع بالتخلق بمكارم الأخلاق.
فالعبادات لابد وأن تترك أثرًا أخلاقيًّا في سلوك صاحبها، فهي ليست طقوسًا جوفاء، بل شُرِعت لترتقي بالإنسان، وتسمو بأخلاقه، ففريضة الصلاة التي تمثل أسمي علاقة تربط بين العبد وربه، قال الله تعالي عنها :{إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهي عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُون{، وأكد النبي (صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) علي هذا المعني بقوله: (مَنْ لَمْ تَأْمُرْهُ صَلَاتُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَهُ عَنِ الْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللهِ إِلَّا بُعْدًا).  
وكذلك الزكاة بمفهومها العام والشامل، قال الله تعالي عنها: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}، فهي ليست مفروضة لتؤخذ من الأغنياء فحسب، بل هي أولًا لغرس مشاعر الرأفة وتوطيد علاقات الألفة والمحبة بين الناس، وكلها معانٍ أخلاقية في المقام الأول تبني عليها الحضارات، ومن أجل ذلك وسَّع النبي (صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): في دلالة الصدقة حيث قال: (تَبَسُّمكَ فِي وَجْهِ أخِيكَ صَدَقَةٌ لَكَ، وَأمْرُكَ بالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَة، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أرْضِ الضَّلالَةِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَوْكَةَ وَالْعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقةٌ، وَإفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أخِيكَ لَكَ صَدَقَة).
وأما الصيام فهو يقوي عزيمة المؤمن فينتصر علي نفسه وشهواته، وهذه هي التقوي في أكمل صورها والتي جعلها الله تعالي غاية الصوم، فقال سبحانه : {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَي الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، ونبينا (صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يقول: (الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ).
وكذلك الحج إنما فرضه الله تعالي لتهذيب النفوس بمكارم الأخلاق، قال تعالي: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَي وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ}، وقال (صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : (مَنْ أَتَي هَذَا الْبَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ).
فالعبادة إذا لم تؤثر في خُلُقِ الإنسان وتهذب من سلوكه فلا قيمة لها ولا ثمرة لها في الآخرة، يقول نبينا (صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟) قَالُوا: المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، قَالَ (صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : (المُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَزَكَاتِهِ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا فَيَقْعُدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ)، ولما سئل (صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا، وَصِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: (هِيَ فِي النَّارِ)، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: (هِيَ فِي الْجَنَّةِ).
ولقد عُني الإسلام بالأخلاق عناية بالغة فجعل حسن الخلق أثقل ما يوضع في ميزان العبد يوم القيامة، حيث يقول: (صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : (مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ)، كما أنه يرفع درجة صاحبه حتي يتساوي مع درجة قائم الليل وصائم النهار، قال (صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَاتِ قَائِمِ اللَّيْلِ صَائِمِ النَّهَارِ)، إضافة إلي أن صاحب الخلق الحسن يجاور رسول الله (صلي الله عليه وسلم) في الجنة، يقول (صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ): (إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ فَمَا المُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: (المُتَكَبِّرُونَ).
وقد كان النبي (صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنموذجًا عمليًّا للأخلاق الحسنة، فقد كان أحسن الناس خلقًا، وأكثرهم محبة ورأفة، وحلمًا وعفوًا، وأصدقهم حديثًا، وأوفاهم عهدًا وذمة، وأكرمهم عشرة، مدحه رب العزة (سبحانه وتعالي) بقوله:{وَإِنَّكَ لَعَلَي خُلُقٍ عَظِيمٍ}، ووصفه سيدنا أنس (رضي الله عنه) بأنه (صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) (أحْسَنَ النَّاس خُلُقًا)، ولما سئلت السيدة عائشة (رضي الله عنها) عن خلقه (صلي الله عليه وسلم) قالت: (كَانَ خلقه الْقُرْآن).  
وعلي منهج رسول الله (صلي الله عليه وسلم) سار الصحب الكرام (رضوان الله عليهم)، فكانوا بهذه الأخلاق سادةَ الأمم، ومحطَّ الأنظار، وموضعَ القدوة لتمسكهم بالأخلاق السامية، لذا كان الناس يدخلون في دين الله أفواجا لما يرون من حسن معاملتهم وجميل أخلاقهم، وحين بدأ الانحراف عن هذا المنهج القويم وساءت أخلاق الناس؛ ضاعت القيم وفُقدت القدوة، وتبدلت المفاهيم، وصدق الإمام مالك (رحمه الله) حين قال: (ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها).
فبالأخلاق الفاضلة تحيا الأمم وتنهض وتبقي آثارها خالدة، فهي صمام أمان المجتمعات من الانحلال، تصونها من الفوضي والضياع، فسلامة الأمة وقوة بنيانها، وسمو مكانتها وعزة أبنائها بتمسكها بالأخلاق الفاضلة، وبزوالها تنهار الأمم وتسقط، وتصبح في مؤخرة الأمم، فكم من حضارات ودول انهارت ليس عن ضعف مواردها وإنما بتردي أخلاقها، ولله درُّ القائل:
إِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ    فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
>>>
الحمد لله رب العالمين، وصلاة وسلامًا علي خاتم أنبيائه ورسله سيدنا محمد (صلي الله عليه وسلم)، وعلي آله وصحبه أجمعين.
             إخوة الإسلام :
إن أهم ما تميزت به الأخلاق في الإسلام أنها لا تتجزأ فلا تفرقة فيها علي أساس الدين أو اللون أو العرق أو الجنس، وبهذا قامت الحضارة الإسلامية، قال الله تعالي في التعامل مع الوالدين المشركين:{وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَي أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}، ورسول الله (صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كان لا يفرق في معاملته بين المسلم وغيره، فعَنْ أَنَسٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: (كَانَ غُلاَمٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ (صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ (صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ : أَسْلِمْ، فَنَظَرَ إِلَي أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ (صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ (صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَهُوَ يَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ).
إن الحضارات الراقية لا تقوم إلا علي الأخلاق، فهي من أسس تحضر الأمم، ورقيِّها، فتقدم كل أمة أو انحدارها يرجع إلي مدي تمسكها بالقيم النبيلة والأخلاق الحميدة، ومن ثمَّ فإن الجانب الأخلاقي هو أهم مرتكزات الحضارة الإسلامية، لذا برع المسلمون في النواحي العلمية وقدموا إسهامات غيرت وجه التاريخ، ولا أدل علي ذلك من التعددية والاختلاف في المذاهب الفقهية.
فمفهوم الحضارة لا يتحقق لمجتمع يشهد غيابًا للقيم، فالإسلام قرر أن بقاء الأمم وازدهارها واستمرارها يكون بالأخلاق، فإذا انعدمت الأخلاق سقط المجتمع وانهارت الأمة، وقد أكد القرآن الكريم علي ذلك، حيث ذكر لنا نماذج لأمم وحضارات سابقة انهارت بسبب فساد أخلاقها وانتشار الفواحش بها، مثل قوم لوط وقوم ثمود وقوم شعيب وغيرهم ... ولهذا قيل: (إن الله يُقيم الدولة العادلة وإن كَانَت كَافِرَة وَلَا يُقيم الظالمة وإن كَانَت مسلمة)، فالأخلاق في منابع الإسلام هي الدين والدنيا معًا.
فإذا أردنا أن نرتقي بأخلاقنا ومجتمعنا وحضارتنا فلا بد من الاقتداء بالقدوة الحسنة، فهي عامل رئيس في تكوين الأخلاق، ونبينا الكريم (صلي الله عليه وسلم) خير من نقتدي به في الأخلاق الحسنة وكل مناحي الحياة، قال تعالي : {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}.
فما أحوجنا إلي أن نعود إلي هذه المبادئ والقيم الأخلاقية والدعائم الحضارية التي تحقق السعادة  في الدارين الدنيا والآخرة.