خطبة الجمعة

فروض الكفايات ودورها في تحقيق التوازن المجتمعي


2/12/2017 2:10:29 PM

استجابة لرغبة أئمة وزارة الأوقاف من قراء »اللواء الإسلامي»‬ تقدم الجريدة خدمة صحفية متميزة حيث تفرد هذه المساحة من كل عدد لنشر خطبة الجمعة الموحدة من وزارة الأوقاف متضمنة عناصر الخطبة والأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية.
وننشر خطبة الجمعة القادمة تحت عنوان: »‬فروض الكفايات ودورها في تحقيق التوازن المجتمعي»

الحمد لله رب العالمين .. القائل في كتابه العزيز: »‬ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» ..وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين، وبعد..
فإن المتأمل في أحكام الشريعة الإسلامية يجد أنها جاءت لتحقيق مصالح العباد، والسمو بالنفس البشرية إلي أعلي درجات الرقي والتحضر وحسن التعامل مع الآخرين، عن طريق الالتزام بمنهج الله (عز وجل) من أجلها، ألا وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وعمارة الأرض، قال سبحانه: »‬هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها».
ومن جملة الأحكام الشرعية التي جاء بها الإسلام لتحقيق الخير للإنسان ما يعرف بفرض العين، وفرض الكفاية، أما فرض العين فهو ما يجب وجوباً عينياً لازماً علي شخص معين بذاته بحسب قدرته واستطاعته، لا يقوم غيره فيه مقامه، ويمثل له علماء الشريعة بالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، فلا يجزيء صيام الأمة كلها عن إفطار من أفطر، ولا يغني عنه صيامها من الله شيئاً، وكذلك الصلاة والزكاة، ففرض العين إذا أقامه المسلم نال ثوابه وحده، وإذا تكاسل عنه تحمل إثمه وحده.
وأما فرض الكفاية فهو لا يتعلق بشخص بعينه، بل يتعلق بجميع أفراد المجتمع، لكن إذا قام به بعض الناس سقط الإثم عن الباقين، وإن لم يقم به أحد أثموا جميعا، ومن ثم ففرض الكفاية هو ما يجب علي المجتمع أن يقوم به من إنفاق المال، أو بذل الجهد لدفع الضرر عن الفقراء والمساكين وغير القادرين، يقول الحق سبحانه: »‬ولتكن منكم أمة يدعون إلي الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون».
فالكل في سفينة واحدة، ولكي تصل إلي بر الأمان لابد من تكاتف الجميع وإلا هلكوا جميعا، يقول نبينا »‬صلي الله عليه وسلم» : »‬مثل القائم علي حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا علي سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا علي من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا علي أيديهم نجوا ونجوا جميعا».
وإذا كان بعض الفقهاء القدامي قد مثلوا لفروض الكفاية ببعض الأمور، كرد السلام، وتشميت العاطس، واتباع الجنائز، وتغسيل الميت، وتجهيزه، وتكفينه والصلاة عليه، ونحو ذلك، فإنما ذكروا ذلك كله علي سبيل المثال لا الحصر، حيث إن مفهوم فروض الكفاية يتسع لكل ما فيه صلاح البلاد والعباد، فهي لا تتوقف عند مجرد الشعائر فحسب، بل تتناول كل ما تقوم به حياة الفرد والمجتمع، أو ما يهدف إلي المصلحة العامة، انطلاقا من قوله تعالي: »‬كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله» وقول نبينا »‬صلي الله عليه وسلم» : »‬لا يؤمن أحدكم حتي يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
علي أن كثيرا من الناس يعتقدون أنهم أدوا ما عليهم بدفع زكاة أموالهم، وغاب عنهم ما في المجتمع من أيتام وأرامل، وفقراء ومساكين، ومرضي ومنكوبين، فليعلم الجميع أنه إذا أصيب أحد بكرب، أو احتاج شيئا وجب عليهم أن يدفعوا عنه ذلك الكرب، أو يقضوا له تلك الحاجة متضامنين، فإذا قام به واحد منهم سقط الحرج عن الباقين، وإذا تخلف الجميع أثموا جميعاً.
ومن أمثلة فروض الكفاية التي تحقق التوازن المجتمعي: التكافل الاجتماعي: فالإسلام لا يعرف الفردية أو الأنانية أو السلبية، وإنما يعرف الإخاء الصادق، والعطاء الكريم، والتعاون علي البر والتقوي، وهذا ما دعا إليه نبينا »‬صلي الله عليه وسلم» ، فعن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قال: بينما نحن في سفر مع النبي »‬صلي الله عليه وسلم» إذ جاء رجل علي راحلة له قال: فجعل يصرف بصره يميناً وشمالاً، فقال رسول الله »‬صلي الله عليه وسلم»: »‬من كان معه فضل ظهر فليعد به علي من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به علي من لا زاد له»، قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتي رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل».
ولقد ضرب الأشعريون أروع الأمثلة في التكافل المجتمعي فاستحقوا ثناء رسول الله »‬صلي الله عليه وسلم»، فعن أبي موسي (رضي الله عنه) قال: قال النبي »‬صلي الله عليه وسلم»: »‬إن الأشعريين إذا أرملوا - نفذ زادهم - في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم»، فهذا مثال عملي واقعي، تنتفي فيه كل مظاهر الفردية والأنانية، ويستحضر الجميع روح الجماعة والأخوة الممزوجة بفضيلة المحبة والإيثار إحساساً بكونهم جسداً واحداً يقوي بالتعاطف والتراحم والتكافل والتعاون »‬ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية» فكان التعقيب المحمدي علي هذا الفعل الجميل بقوله »‬صلي الله عليه وسلم»: »‬فهم مني وأنا منهم».
ومن فروض الكفاية: قضاء حوائج الناس، فقضاء حوائجهم والقيام بمتطلبات حياتهم من الواجبات الشرعية والوطنية، يقول »‬صلي الله عليه وسلم»: »‬وما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلي جنبه وهو يعلم». وفي حديث آخر نري النبي »‬صلي الله عليه وسلم» يقدم قضاء حوائج الناس علي الاعتكاف في مسجده، حيث يقول: »‬أحب الناس إلي الله تعالي أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلي الله تعالي سرور تدخله علي مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن اعتكف في هذا المسجد - يعني مسجد المدينة - شهراً.. ومن مشي مع أخيه في حاجة حتي يتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام».
والمتأمل في واقع الناس اليوم يجد منهم الفقير الذي لا يجد ما يسد جوعه، والمريض الذي لا يجد دواءه، والأرامل، واليتامي والضعفاء، ومن لا عائل لهم، هؤلاء وغيرهم أحق بقضاء مصالحهم وحوائجهم، وكان »‬صلي الله عليه وسلم» يحرص علي متابعة أصحابه في قضاء حوائج الناس والسعي في مصالحهم، فيسأل عمن فعل واستجاب وعمن حرص واقتدي، فقال »‬صلي الله عليه وسلم» ذات يوم: »‬من أصبح منكم اليوم صائما» قال أبوبكر (رضي الله عنه): أنا. قال: »‬فمن تبع منكم اليوم جنازة» قال أبوبكر: أنا. قال: »‬فمن أطعم منكم اليوم مسكينا». قال أبوبكر: أنا. قال: »‬فمن عاد منكم اليوم مريضا». قال: أبوبكر: أنا. فقال »‬صلي الله عليه وسلم».
(ما اجتمعن في امريء إلا دخل الجنة).
كذلك من فروض الكفاية التي تسهم في سد حاجات المجتمع: العمل علي تخريج المتميزين من الأطباء والمهندسين والعلماء المتخصصين بما يحقق كفايته في شتي المجالات العلمية والانتاجية.
يقول الإمام الغزالي في الإحياء: »‬أما فرض الكفاية فهو علم لا يستغني عنه في قوام أمور الدنيا، كالطب إذا هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان. وكالحساب فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرهما، وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد، وإذا قام بها واحد كفي وسقط الفرض عن الآخرين،.... وكذلك فإن أصول الصناعات أيضا من فروض الكفايات».
فلو خلا بلد من هذه العلوم والصناعات تعرض أهل هذا البلد للهلاك، فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء، ومن لا يملك قوته وسلاحه وعتاده ودواءه لا يملك إرادته، ومن ثمة وجب علينا جميعا وجوباً دينياً ووطنياً أن نعمل وبمنتهي الهمة والجد علي تحقيق الكفاية لوطننا في جميع المجالات حتي نصبح أمة منتجة، أمة مصدرة، أمة نافعة لنفسها وللإنسانية، وليست عالة علي غيرها، لا في طعامها، ولا في شرابها، ولا في كسانها، ولا في علاجها، فعلاج مرضي المجتمع أمانة في أعناق أطبائه، ومحو أمية المجتمع أمانة في أعناق معلميه، وحفظ أمنه أمانة في أعناق جيشه وشرطته، وعدل المجتمع أمانة في أعناق قضاته، ففروض الكفايات تقوم علي المسئولية التضامنية لأفراد المجتمع، كل في مجاله وميدانه، يقول سبحانه وتعالي: »‬وتعاونوا علي البر والتقوي ولا تعاونوا علي الإثم والعدوان».
إن القيام بفروض الكفاية خير وسيلة للقضاء علي الفقر، والجهل، والمرض، حتي لا يجوع فقير، ولا يضيع يتيم، ولا يحتاج مسكين، ومن ثم يتحقق التوازن المجتمعي، والعدل بين الناس، وضمان الأمن والأمان، من خلال إنفاق المال لإطعام الجائعين، ورعاية اليتامي والمساكين، وعلاج المرضي والمعاقين، وبذل الجهد لإغاثة الملهوفن والمنكوبين، وإزالة الكرب عن المكروبين، وتقديم يد العون للفقراء والمحتاجين، وبذلك يتحقق التوازن المجتمعي.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
>>>
الحمد لله رب العالمين، وصلاة وسلاما علي خاتم أنبيائه ورسله سيدنا محمد »‬صلي الله عليه وسلم» وعلي آله وصحبه وأجمعين.
إخوة الإسلام:
ومن أمثلة فروض الكفاية التي تسهم في سد حاجات المجتمع: السعي إلي تحقيق القوة في جميع جوانب حياتنا الإيمانية، والعلمية، والفكرية، والاقتصادية، والانتاجية، يقول تعالي: »‬      
وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ  وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ»‬. ولم يحدد الله تعالي نوع هذه القوة، فهي شاملة لكل قوة تصلح الأمة، سواء كانت قوة روحية أم علمية أم جسدية، أم غير ذلك.
ومن أمثلة فروض الكفاية: تلبية حاجات المجتمع الضرورية بمراعاة فقه الواقع وتقديم فقه الأولويات، فإن كانت حاجة المجتمع إلي بناء مستشفيات ومراكز صحية وتجهيزها لعلاج الفقراء ورعايتهم فلابد من القيام بذلك، وإن كانت حاجة المجتمع لبناء المدارس والمعاهد وصيانتها وتجهيزها والإنفاق علي طلاب العلم ورعايتهم فلابد من القيام بهذا الفرض، وإن كانت الحاجة في توفير المياه النقية الصالحة لكل أفراد الأمة، فلابد من القيام بهذا الواجب سداً للحاجات في توفير المياه النقية الصالحة لكل أفراد الأمة، فلابد من القيام بهذا الواجب سدا للحاجات الضرورية للمجتمع، وهذا ما فعله سيدنا عثمان بن عفان (رضي الله عنه) عندما اشتري بئر رومة استجابة لأمر رسول الله (صلي الله عليه وسلم) حين قال: »‬من يبتاع بئر رومة غفر الله له» قال سيدنا عثمان: فابتعتها بكذا وكذا، فأتيت رسول الله »‬صلي الله عليه وسلم» فقلت: إني قد ابتعت بئر رومة، قال: »‬اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك»، فقد كانت حاجة المجتمع ماسة لشراء المياه، وكلما كانت الحاجة أشد كان الثواب أعظم.
ومن ثم فإن فروض الكفاية تتعلق بكل حاجات المجتمع، وتغطي كل مجالات الحياة، ولنعلم أن إحياء الواجب الكفائي كفيل بتحقيق نهضة الأمة وارتقائها وسد حاجاتها الضرورية، ولو طبقته الأمة تطبيقاً عملياً صحيحاً لما احتاجت لأحد، وأصبحت قادرة علي تدبير شئونها بنفسها دون الحاجة إلي تدخل من أحد.
نسأل الله العظيم أن يوفقنا لكل ما يحبه ويرضاه، وأن يهييء لنا من أمرنا رشداً.