كلام في الاسلام

فتنة التكفـــــــير


د. محمد محمد داود dr.mohameddawood@yahoo.com
1/31/2017 2:41:45 PM

قضية التكفير من أهم وأخطر القضايا الفكرية التي يعاني منها المجتمع المعاصر، حيث شاع الحديث عن التكفير واللعن والإخراج من المِلَّة، وأصبح كثير من الناس يقعون في فتنة التكفير بعلم وبغير علم، يُكفِّرون من كرهوا، ويزيحون شبهة التكفير عمَّن أحبوا، دون الرجوع إلي الضوابط الشرعية الأصيلة؛ لذا وجب بيان الأسباب التي أدت إلي شيوع التكفير عند بعض الفرق قديمًا كالخوارج وامتدادها في الوقت المعاصر، وبيان الحقائق الخالصة بالآيات والأحاديث الواردة في تلك القضية.
ومن الحقائق الخالدة التي يؤكدها القرآن الكريم أنه ليس في الإسلام سلطة دينية لأحد إلا سلطة الموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ... قال الله لنبيه ورسوله سيدنا محمد  صلي الله عليه وسلم  لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ  [البقرة: 256]،  إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ ٍ     [الرعد: 7].
   إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا  [الأحزاب: 45، الفتح: 8]،  لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ  [الغاشية: 22].
ومن قواعد الأحكام في دين الإسلام أنه إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حُمِلَ علي الإيمان، ولا يجوز حمله علي الكفر.
ويقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي: »إنه لا يسارع إلي التكفير إلا الجهلة»‬ ويؤكد القرطبي علي أن السرائر يعلمها الذي يعلم السر وأخفي، فينبغي إجراء الأحكام بالظواهر والله يتولي الخفايا والسرائر. واستشهد بالآية   يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَي إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء: 94].
والقاعدة الذهبية القرآنية توجِّه المسلم إلي أن يتجنب التعميم في الأحكام؛ لأن التعميم في الأحكام يُحوِّل الاستثناء إلي قاعدة، وهذا خلل فادح والقرآن يؤكد قاعدة: »‬ليسوا سواء»، قال تعالي:  لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ  [آل عمران: 113].
وقد حذر رسول الله صلي الله عليه وسلم كل مؤمن من التسرع في اتهام غيره من المسلمين بالكفر؛ لأنها تعود عليه إن لم تكن في أخيه، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة t أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: »‬إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما».
بل إن من تلفظ بلفظ الكفر تحت ضغط وإكراه، مع استقرار الإيمان في القلب فليس بكافر، قال تعالي:      إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ  [النحل: 106].
ولا اعتبار بصدور كلمة تدل علي الكفر وقائلها لا يقصد الكفر، فقد أخرج مسلم عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أنه قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ الله  صلي الله عليه وسلم في سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحْنَا الحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا فَقَالَ: »‬لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ في نفسي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِي، فَقَالَ رَسُولُ الله I: »‬أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَقَتَلْتَهُ؟» قَالَ: »‬قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ»، قَالَ: »‬أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّي تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟» فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّي تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: »‬فَقَالَ سَعْدٌ: وَأَنَا وَالله لَا أَقْتُلُ مُسْلِمًا حَتَّي يَقْتُلَهُ ذُو الـْبُطَيْنِ يَعْنِي أُسَامَةَ»، قَالَ: »‬قَالَ رَجُلٌ: أَلَمْ يَقُلِ اللهُ:  وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّي لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ  [الأنفال:39]؟» فَقَالَ سَعْدٌ: »‬قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّي لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَأَنْتَ وَأَصْحَابُكَ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّي تَكُونَ فِتْنَةٌ».
تحذير: ولا يغرنك ما أنت عليه من طاعة وما عليه أخوك من المعصية.

تعليقات القرّاء