حديث نبوي

منافع الحج تزيل الذنوب وتمحو الآثام


تقديم د.محمد نصر اللبان أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر
7/21/2017 9:54:25 AM

أخرج الإمام البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: »كانت عكاظ، ومجنة، وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في المواسم، فنزلت: »‬ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم»‬  في مواسم الحج»

ويتضح من هذا الحديث بجلاء أن الحج من العبادات التي يتحقق بها للفرد وللجماعة منافع كثيرة متي التزم الناس في تأديته بآداب شعائره، ولقد قال الله تعالي: »‬وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَي كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ......»‬
وفي مقدمة المنافع الفردية التي تعود علي المسلم من الحج إلي جانب أدائه للفرض: أن الحج معاينة مثيرة لوجدانه، فحين يواجه المسلم بيت الله الحرام، وما بيت الله الحرام؟ أول بيت وضع في الأرض لعبادة الله وحده،  وأول بيت وضع ليطوف الناس حوله، ويحجوا إليه من مشارق الأرض ومغاربها، وهو أول بيت حرم الله فيه القتال والخصام والجدال، بل وحرم من أجله مكة كلها، وسماها البلد الأمين، وهو قبلة المسلمين جميعا يتجهون إليه في صلاتهم مهما تباعدت بلادهم، واختلفت أقطارهم، وقد فضله الله تعالي علي سائر المساجد.
فمعاينة المسلم بيت الله الحرام تثير وجدانه، فلطالما توجه إلي الكعبة في صلاته، وتخيل مشهدها، وتمني الطواف حولها، وهذه المعاينة تربط المسلم ربطا مباشرا بشعائر دينه، وخاصة أنها تتم في جو إيماني رائع.
والحج دورة تدريبية علي الذكر والتلبية والتجرد من شواغل الدنيا، فيقضي المؤمن أيام الحج في الذكر، والتلبية، والتجرد من شواغل الدنيا في أفضل بقعة من بقاع الأرض، فكأنها دورة تدريبية علي ذلك، فالحج من بدايته إلي نهايته ذكر الله عز وجل قال تعالي: »‬ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ»‬، وقال تعالي: »‬وأذكروا الله في أيام معدودات» وفي الحديث الصحيح: »‬أيام مني أيام أكل وشرب وذكر لله تعالي بل ويستمر الذكر بعد نهاية الحج قال تعالي: »‬فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا»
 والحج يذكرهم بالموت، فهم هناك مجردون من الثياب، ويلبسون ما يشبه الكفن، فكأنهم يستعدون للموت. والحج يذكرهم بيوم القيامة، يوم يبعث الله الناس جميعا علي اختلاف ألوانهم ولغاتهم ومناصبهم وأجناسهم في مكان واحد، ليسألهم سؤالاً يقول لهم: »‬لمن الملك اليوم؟ (فبم يجيبون؟ لا يستطيعون الإجابة فيقول سبحانه: »‬لله الواحد القهار» والحج تجربة تربوية لا يتعرض لمثلها مدة حياته. فيفرض الإسلام علي سلوك الحاج رقابة ذاتية صارمة، لا تفوت له أدني مخالفة، بل إن هذه الرقابة لتحاسبه علي كل ما يرتكب من مخالفات، ولو كانت يسيرة، ومن ثم يتعلم فيها القيم والمثل والأخلاق قال تعالي: »‬الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ» وقد أباح الله تعالي للحاج ممارسة التجارة النافعة من الطعام والشراب والملبس والمسكن، فليس من الممكن أن تستقيم حياة الألوف من الحجاج بدون تجارة توفر لكل فرد ما يحتاجه من  ضرورات الحياة، قال تعالي: »‬ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَي كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ  لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ.........»
والحكمة من تقديم المنافع علي ذكر الله أن المنافع التجارية تتوقف عليها حياة الحجاج حتي يستطيعوا أن يؤدوا ما طلب منهم من ذكر. والقاعدة: الفقهية المبنية علي تلك الآية الكريمة وعلي غيرها تقول: »‬ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب».