الحديث القدسى

شبهات وردود

القرآن والكلام المتناقض


يقدمها: محمود الإمامي
2/26/2017 1:43:28 PM



يزعم أعداء الإسلام أن القرآن به تناقضات بين آياته مثل قوله تعالي: »لا تبديل لكلمات الله»‬ وقوله »‬وإذا بدلنا آية مكان آية....» وقوله أيضا »‬لا مبدل لكلماته» وقوله »‬ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها».
وقوله كذلك »‬إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» وقوله »‬يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب».

الصورة الأولي للتناقض الموهوم بين آية يونس: (لا تبديل لكلمات الله) وآية النحل (وإذا بدلنا آية مكان آية..) لا وجود لها إلا في أوهامهم ويبدو أنهم يجهلون معني التناقض تمامًا. فالتناقض من أحكام العقل،  ويكون بين أمرين كليين لا يجتمعان أبداً في الوجود في محل واحد،  ولا يرتفعان أبداً عن ذلك المحل،  بل لا بد من وجود أحدهما وانتفاء الآخر،  مثل الموت والحياة. فالإنسان يكون إما حيًّا وإما ميتا ولا يرتفعان عنه في وقت واحد،  ومحال أن يكون حيًّا و ميتاً في آن واحد ؛ لأن النقيضين لا يجتمعان في محل واحد. ومحال أن يكون إنسان ما لا حيا ولا ميتا في آن واحد وليس في القرآن كله صورة ما من صور التناقض العقلي إلا ما يدعيه الجهلاء أو المعاندون. والعثور علي التناقض بين الآيتين المشار إليهما محال محال؛ لأن قوله تعالي في سورة يونس (لا تبديل لكلمات الله) معناه لا تبديل لقضاء الله الذي يقضيه في شئون الكائنات،  ويتسع معني التبديل هنا ليشمل سنن الله وقوانينه الكونية. ومنها القوانين الكيميائية،  والفيزيائية وما ينتج عنها من تفاعلات بين عناصرالموجودات، أو تغييرات تطرأ عليها. كتسخين الحديد أو المعادن وتمددها بالحرارة،  وتجمدها وانكماشها بالبرودة. هذه هي كلمات الله عزّ وجلّ.
وقد عبر عنها القرآن في مواضع أخري بالسنن وهي القوانين التي تخضع لها جميع الكائنات،  الإنسان والحيوان والنبات والجمادات. إن كل شئ في الوجود،  يجري ويتفاعل وفق السنن الإلهية أو كلماته الكلية،  التي ليس في مقدور قوة في الوجود أن تغيرها أو تعطل مفعولها في الكون.
ذلك هو المقصود به بـ »‬كلمات الله» التي لا تجد لها تبديلاً،  ولا تجد لها تحويلاً.
ومن هذه الكلمات أو القوانين والسنن الإلهية النافذة طوعاً أو كرهاً قوله تعالي: (كل نفس ذائقة الموت) . فهل في مقدور أحد مهما كان أن يعطل هذه السنة الإلهية فيوقف »‬سيف المنايا» ويهب كل الأحياء خلوداً في هذه الحياة الدنيا ؟
فكلمات الله إذن هي عبارة عن قضائه في الكائنات وقوانينه المطردة في الموجودات وسننه النافذة في المخلوقات. ولا تناقض في العقل ولا في النقل ولا في الواقع المحسوس بين مدلول آية: (لا تبديل لكلمات الله) وآية: (وإذا بدلنا آية مكان آية..). لأن معني هذه الآية: إذا رفعنا آية،  أي وقفنا الحكم بها،  ووضعنا آية مكانها،  أي وضعنا الحكم بمضمونها مكان الحكم بمضمون الأولي. قال جهلة المشركين: إنما أنت مفترٍ. فلكل من الآيتين معني في محل غير معني ومحل الأخري. فالآية في سورة يونس (لا تبديل لكلمات الله) والآية في سورة النحل: (وإذا بدلنا آية مكان آية..) لكل منهما مقام خاص، ولكن هؤلاء الحقدة جعلوا الكلمات بمعني الآيات،  أو جعلوا الآيات بمعني الكلمات زوراً وبهتاناً،  ليوهموا الناس أن في القرآن تناقضاً. وهيهات هيهات لما يتوهمون.
أما الآيتان (لا مبدل لكلماته) و(ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها).
هاتان الآيتان بريئتان من التناقض براءة قرص الشمس من اللون الأسود:
فآية الكهف (لا مبدل لكلماته) معناها لا مغير لسننه وقوانينه في الكائنات. وهذا هو ما عليه المحققون من أهل العلم ويؤيده الواقع المحسوس والعلم المدروس. وحتي لو كان المراد من »‬ كلماتـه »‬ آياته المنـزلة في الكتاب العـزيز »‬القرآن »‬ فإنه ـ كذلك ـ لا مبدل لها من الخلق فهي باقية محفوظة كما أنزلها الله عز وجل،  إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها.
أما آية البقرة: (ما ننسخ من آية) فالمراد من الآية فيها المعجزة،  التي يجريها الله علي أيدي رسله. ونسخها رفعها بعد وقوعها. وليس المراد الآية من القرآن،  وهذا ما عليه المحققون من أهل التأويل. بدليل قوله تعالي في نفس الآية: (ألم تعلم أن الله علي كل شيء قدير). ويكون الله عز وجل قد أخبر عباده عن تأييده رسله بالمعجزات وتتابع تلك المعجزات ؛ لأنها من صنع الله،  والله علي كل شيء قدير.
فالآيتان ـ كما تري ـ لكل منهما مقام خاص بها،  وليس بينهما أدني تعارض،  فضلاً عن أن يكون بينهما تناقض.
أما الآيتان الأخيرتان، وهما آية الحجر: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وآية الرعد: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) فلا تعارض بينهما كذلك؛ لأن الآية الأولي إخبار من الله بأنه حافظ للقرآن من التبديل والتحريف والتغيير، ومن كل آفات الضياع وقد صدق إخباره تعالي،  فظل القرآن محفوظاً من كل ما يمسه مما مس كتب الرسل السابقين عليه في الوجود الزمني، ومن أشهرها التوراة وملحقاتها. والإنجيل الذي أنزله الله علي عيسي عليه السلام.
أما الآية الثانية: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) فهي إخبار من الله بأنه هو وحده المتصرف في شئون العباد دون أن يحد من تصرفه أحد. فإرادته ماضية،  وقضاؤه نافذ،  يحيي ويميت،  يغني ويفقر،  يُصحُّ ويُمْرِضُ،  يُسْعِد ويُشْقِي،  يعطي ويمنع، لا راد لقضائه،  ولا معقب علي حكمه (لا يُسأل عما يفعل وهم يُسـألون ) . فأين التناقـض المزعوم بين هاتين الآيتين يا تري ؟ التناقض كان سيكون لو ألغت آية معني الأخري. أما ومعني الآيتين كل منهما يسير في طريقٍ متوازٍ غير طريق الأخري، فإن القول بوجود تناقض بينهما ضرب من الخبل والهذيان المحموم، ولكن ماذا نقول حينما يتكلم الحقد والحسد، ويتواري العقل وراء دياجير الجهالة الحاقدة؟ 




تعليقات القرّاء