الحديث القدسى

جزاء الصابرين علي فقد الأحبة


يقدمه: د. سالم الهنداوي
5/7/2017 2:53:00 PM

عن أبي هريرة: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: »يقول الله تعالي: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة»‬ أخرجه البخاري في صحيحه

إن الحياة الدنيا التي نحياها ما هي إلا سلسلة من التقلبات، فأحيانا تُقبل الدنيا بزهرتها وبهجتها علي أحدٍ منا فيتقلب في رغدها ونعيمها، وأحياناً أخري تدبرُ عنه، فلا يجد ما يكفيه.
وأحياناً يرزق الإنسان بالذرية الصالحة فيسعد بهم كثيرًا، وأحياناً أخري يفقدهم وهم أعز شيء في الوجود بالنسبة إليه.
وأحياناً يتعلق الإنسان بحب أبيه أو أمه أو ابنه أو أخيه أو أخته أو الزوج أو الزوجة أو أحد أصدقائه، ثم يرحلون ويموتون عنه، فيجزع لفراقهم جزعاً شديداً، ويمتليء قلبه حزناً وهمًا وألماً لفراق أحبابه وأصفيائه في الدنيا.
فهذه هي طبيعة الأيام، يوم فرح ويوم حزن، فربما تجد بيتًا يمتليء يومًا بالأفراح والمسرات، ثم تمر الأيام ويجيء عليه يومًا آخر محملاً بكثيرٍ من الأحزان والآلام. ولقد روي عن ابن مسعود أنه قال: »‬لكل فرحة ترحة، وما مليء بيت فرحًا إلا مليء ترحًا».
وبيوتنا مليئة بأمثلة كثيرة لذلك الحال، وهذه هي طبيعة الدنيا، أنه ما من بيت من البيوت يمتلأ فرحًا وسعادة يومًا ما، إلا ويأتي عليه يوم آخر ويتبدل فيه الحال، فينقلب الفرح إلي حزن، والبهجة إلي هم وغم، والأيام دول.
فعلي المسلم أن يعلم طبيعة الحياة الدنيا، وألا يغتر بإقبالها عليه، وإن أصابه ما يكره فعليه أن يقابل البلاء بالصبر والرضا، وأن يكون علي يقين أن ما عند الله تعالي خير للأبرار.
وفي هذا الحديث القدسي الجليل:
يخبر الله تعالي عن جزاء العبد المؤمن عندما يبتلي بفقد أحبابه وأصفيائه الذين أحبهم، وعاش حياته بالقرب منهم، وأصبحوا جزءاً من كيانه وحياته كالأب والأم والابن.
 فيقول الله: »‬ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا».
الصفي: هو الحبيب المصافي، كالولد والأخ والصديق، وكل من يحبه الإنسان، وصفي الرجل: هو الذي يصافيه الود ويخلص له.
أي: ما للمؤمن من أجر وجزاء عند الله إذا قبض الله تعالي روح صفيه من أهل الدنيا.
قال: (ثم احتسبه إلا الجنة) واحتسبه أي: صبر علي فقد صفيه وموت حبيبه، راجياً بذلك الثواب الجزيل بالصبر الجميل علي مفارقة الخليل، وبالرضا علي قضاء الرب الجليل سبحانه.
فالله تعالي يبشر أهل البلاء، أن العبد المؤمن عندما يموت من يحبه ويصافيه من أهل الدنيا، أباً كان أو أمًا أو ابنًا أو أخًا أو صديقًا، فيصبر ويرضي بقضاء الله تعالي راجياً الأجر من الله تعالي، ليس له جزاء عند الله تعالي إلا الجنة.ولقد وردت أحاديث عن النبي صلي الله عليه وسلم تؤكد هذا المعني: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: »‬ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية، من أيها شاء دخل» وفي رواية قال: »‬كان له حجاب من النار، أو دخل الجنة». وعن أبي هريرة: إن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال لنسوة من الأنصار: »‬لا يموت لأحداكن ثلاثة من الولد فتحتسبه إلا دخلت الجنة» فقالت امرأة منهن: أو اثنين يا رسول الله؟ قال: أو اثنين وورد في بعض الروايات أنه صلي الله عليه وسلم قال» وواحد.
فما أعظم هذه البشريات للصابرين، ولله در  من قال:
الصبر مثل اسمه مرُّ مذاقته                             لكن عواقبه أحلي من العسل
ومن الدروس المستفادة من الحديث الجليل ما يلي:
1- أن سعادة العبد في رضاه بقضاء الله عز وجل وقدره.
2- أن الصبر جزاؤه الجنة.
3- أن الحياة لا تستقيم لأحد علي حال فأيامها بين فرح وحزن.
4- أن الموت حق، وهو سنة الله في خلقه، فعلي العبد أن يستكثر من الصالحات، وأن يكون متأهباً ومستعدًا لهذا اليوم.