الحديث القدسى

عبــــادة الـنصيحـــة


د. سالم الهنداوي

د. سالم الهنداوي

يقدمه: د. سالم الهنداوي
4/27/2017 10:48:01 AM

عن أبي أمامة عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: »قال الله: أحب ما تعبدني به عبدي إلي النصح لي»‬ أخرجه أحمد في مسنده.

إن المسلم يعيش في هذه الحياة الدنيا يحمل تكليفاً ربانياً ألا وهو: عبادة الله عز وجل، كما قال تعالي: »‬وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» (الذاريات: 56)
وعبادة الله عز وجل: هي القيام بكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأوامر والنواهي.
ويخطيء كثير من المسلمين عندما يعتقد أن عبادة الله يقصد بها العبادات الظاهرة فقط، كالصلاة والصيام والزكاة والحج، فيهمل جوانب أخري وعبادات كثيرة قد حث عليها الإسلام ورغب فيها.
وعبادة الله عز وجل: هي فعل كل ما يحبه الله تعالي ويرضاه من الأعمال، سواء كانت عبادة قلبية أو بدنية أو مالية أو غير ذلك.
وفي هذا الحديث الجليل: يُبين الحق تعالي لعباده المؤمنين عبادة يحبها الله تعالي ويرضاها، وهي من أجل العبادات وأعظمها وأكثرها نفعا للفرد والمجتمع، إنها النصيحة.
والنصيحة هي: كلمة جامعة، يعبر بها عن جملة تحمل بين طياتها معانٍ كثيرة تتلخص في إرادة الخير للمنصوح.
والنصيحة واجبة علي قدر الطاقة، فإذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ويطيع أمره، وأمن علي نفسه المكروه والأذي وجبت عليه النصيحة.
وفي هذا الحديث:
يخبر الله تعالي أن من أفضل الأعمال، وأجل العبادات التي يتقرب بها العبد إلي الله تعالي، ويحبها الله هي: النصيحة، فيقول الله: »‬أحب ما تعبدني به عبدي إلي النصح لي».
وقوله: »‬النصح لي» يحتمل أمرين: الأول: النصح لله تعالي، والثاني: نصح عباد الله لأجل الله. ويبين هذا المعني ويوضحه أكثر ما رو الشيخان عن تميم الداري أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: »‬الدين النصيحة» قلنا: لمن؟ قال: »‬لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».
والنصيحة الله تعالي: أي الإيمان به تعالي، وصحة الاعتقاد في وحدانيته، وترك الإلحاد في صفاته، وإخلاص النية في عبادته، وبذل الطاعة فيما أمر به ونهي عنه، وموالاة من أطاعه، ومعاداة من عصاه، والاعتراف بنعمه، والشكر له عليها.
وحقيقة هذه الإضافة: راجعة إلي العبد في نصيحة نفسه لله، والله غني عن نصح كل ناصح.
وأما إذا كان المراد بقوله: »‬النصح لي» نصح عباد الله لأجل الله، فتكون نصيحة المسلمين بما يرشدهم إلي مصالحهم - الدنيوية والأخروية - من تعليم ما يجهلونه من أمر الدين، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم، والترحم علي صغيرهم، وتذكيرهم بالآخرة، وتخولهم بالموعظة الحسنة.
ويلزم المسلم قبل أن ينصح غيره: أن يبدأ بنفسه، فيكون ناصحاً لنفسه أولا، فيتعلم ما يصلح به عبادته، وما يقيم به أمر دينه ودنياه، ويتعرف ما الذي يجب عليه، ويعلم عداوة الشيطان له وكيف الحذر منه، ويعلم قبيح ما تميل إليه النفس حتي يخالفها بعلم.
وإذا أراد المسلم أن يقدم نصيحة: فيجب أن يلتزم بأدب النصيحة: فينصح برفق ولين وأدب، وألا يفضح وألا يعير، وألا يغتاب أحداً، وأن يكون نصحه خالصاً لوجه الله تعالي.
قال الفضيل بن عياض: المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويُعير.
وقال الإمام الشافعي: من وعظ أخاه سرّا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه.
وقال الفضيل: ما أدرك عندنا من أدرك بكثرة الصلاة والصيام، وإنما أدرك عندنا: بسخاء الأنفس، وسلامة الصدور، والنصح للأمة.
وسئل ابن المبارك: أي الأعمال أفضل؟ قال: النصح لله.
وقال الإمام الحسن البصري: مازال لله ناس ينصحون لله في عباده، وينصحون لعباد الله في حق الله عليهم، ويعملون له في الأرض بالنصيحة، أولئك خلفاء الله في الأرض.
وفي هذا الحديث كثير من الفوائد والدروس ومنها:
1- أن النصيحة لب الدين وجوهر الإيمان.
2- أحب العبادات إلي الله تعالي النصيحة.
3- من أهم مقومات صلاح المجتمع النصيحة.
4- النصيحة دليل حب الخير للآخرين، فالمؤمن مرآة أخيه.


تعليقات القرّاء