الحديث الشريف

مشاهد من الإسراء والمعراج في السنة النبوية المقبولة


يقدمهما د. محمد نصر اللبان استاذ الحديث جامعة الأزهر
4/27/2017 10:52:35 AM

امتلأت كتب السنة المطهرة بالأحاديث المقبولة الصحيحة والحسنة الواردة في معجزتي الإسراء والمعراج، وجاءت رواياتها عن أكثر من عشرين صحابيا من صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم. غير أن هذه الروايات يختلف بعضها عن بعض طولا وقصرا، وذكرا وحذفا؛ فبعض ما جاء في رواية منها لم يذكر في غيرها؛ وما ذلك إلا لأن الرواة لم يذكروا إلا ما حفظته قلوبهم ووعته عقولهم، فمن حفظ شيئا ذكره، وما لم يحفظه لم يذكره. ففي مكة المكرمة ليلة الإسراء والمعراج: أثبتت الروايات الصحيحة: أن النبي صلي الله عليه وسلم كان نائما في بيت السيدة أم هانيء بنت عمه أبي طالب مع عمه حمزة سيد الشهداء وابن عمه جعفر الطيار؛ إذ فرج سقف البيت، وهو بين النائم واليقظان، ونزل منه ثلاثة من الملائكة الأطهار فاحتملوه حتي أتوا به المسجد الحرام، فشق جبريل عليه السلام صدره الشريف، وأتي بطست من ذهب، مملوء بماء زمزم، فغسل به قلبه ثم أفرغ في قلبه ينابيع الحكمة والإيمان؛ استعدادا لما سيشاهده في هذه الليلة المباركة من الآيات الكونية، ولما سيلقي عليه من أنواع الفيوضات الإلهية، ثم جيء له بالبراق الذي هو أسرع من البرق في المسير، يضع قدمه عند منتهي بصره، فركبه صلي الله عليه وسلم. في المسري إلي بيت المقدس: وأثبتت الروايات الصحيحة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم ركب البراق وجبريل الأمين أخذ بزمامه، تطوي بهما الأرض فلا بعد ولا صعاب، ولكنه كان ثمة وقفات كما جاء في كتاب السنن للإمام الترمذي: وقفة عند المدينة المنورة التي طيب الله عز وجل ثراها بمثوي رسوله صلوات الله وسلامه عليه فيها، ووقفة عند طور سيناء: حيث كلم الله عز وجل موسي عليه السلام تكليما؛ تبيانا للناس أن سيدنا محمدا صلي الله عليه وسلم ليس بدعا من الرسل، وأنه صلي الله عليه وسلم علي الدرب يسير، وأن تلك البقاع التي شرفت برسالات الله سيعمها من جديد نور الله. ووقفة ثالثة عند بيت لحم: حيث ولد المسيح عيسي عليه السلام، وحيث أوذي وأمه، وتحملا ماتحملا ابتغاء رضوان الله. وقد روي الإمام أحمد ومسلم وغيرهما عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: »أتاني جبريل عليه السلام بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: أصبت الفطرة»‬. ومن الآيات التي رأها رسول الله صلي الله عليه وسلم.
(1) روي ابن جرير في تفسيره، والبيهقي، والحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم أتي علي قوم تفرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد؛ كلما قرضت عادت كما كانت، لا يفتر عنهم من ذلك شيء فقال: (ما هذا يا جبريل؟)، فقال: (هؤلاء هم خطباء الفتنة؛ يقولون ما لا يفعلون).
(2) وجاء في حديث أبي هريرة أن النبي صلي الله عليه وسلم أتي علي خشبة علي الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته، ولا شيء إلا خرقته، قال: »‬ما هذا يا جبريل؟» قال: »‬هذا مثل أقوام من أمتك يعقدون علي الطريق فيقطعونه»، ثم تلا: (ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله) - (الأعراف: 86).
(3) وروي ابن جرير وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم أتي علي قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: »‬يا جبريل ما هذا؟» قال: »‬هؤلاء المجاهدون في سبيل الله؛ تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف»؛ (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين) - (سبأ: 39).
(4) وروي البيهقي وغيره من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم رأي في مسراه عجوزا علي جانب الطريق، فقال: »‬ما هذا يا جبريل؟» فقال: »‬أما العجوز التي قد رأيت علي جانب الطريق فلم يبق من عمر الدنيا إلا كما بقي من عمر تلك العجوز». وفي حديث أبي هريرة وأبي سعيد أنه رأي امرأة حاسرة عن ذراعيها عليها من كل زينة خلقها الله، تقول: يا محمد انظرني أسألك، فلم يجبها ولم يقم عليها. ويقول جبريل: »‬تلك الدنيا، أما إنك لو أجبتها وأقمت عليها لاختارت أمتك الدنيا علي الآخرة».
(5) وجاء في رواية البيهقي وابن جرير عن أبي سعيد أن النبي صلي الله عليه وسلم أتي علي قوم تُرضخ رؤوسهم بالصخرة كلما رضخت عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: »‬ما هؤلاء يا جبريل؟» قال: »‬هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة».
(6) وجاء في رواية البيهقي وابن جرير عن أبي سعيد رضي الله عنه: أن النبي صلي الله عليه وسلم أتي علي قوم علي أقبالهم رقاع وعلي أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الإبل والغنم، ويأكلون الضريع والزقوم، ورضْفُ جهنم وحجارتها! قال: (فما هؤلاء يا جبريل؟» قال: »‬هؤلاء الذي لا يؤدون صدقات أموالهم، وما ظلمهم الله تعالي شيئا، وما الله بظلام للعبيد».
(7) جاء في رواية البيهقي وابن جرير عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم أتي علي رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها، وهو يزيد عليها فقال: »‬ما هذا يا جبريل؟» قال: »‬هذا الرجل من أمتك، يكون عليه أمانات الناس لا يقدر علي أدائها، وهو يزيد عليها ويريد أن يحمل عليها، فلا يستطيع ذلك». وصدق الله العظيم القائل: »‬سبحان الذي أسري بعبده ليلا من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصي الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير».