خواطر الامام

الإسلام لايفرق بين العبادات والمعاملات فكلها من منهج الله


7/15/2017 3:14:33 PM

يقول الحق سبحانه:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
لإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ

قريش : 1-٤)
صدق الله العظيم

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين، والحمد لله كما علّمنا أن نحمد وصلي الله عليه وسلم علي سيدنا محمد رحمة الله للعالمين وخاتم المرسلين.
وبعد فقد وقفنا في الحلقة السابقة من خواطرنا حول قوله تعالي: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ) (قريش: 3).
والعبادة هي الطاعة وهي لاتتأتي إلا بإيراد منهج علي يد رسول يبلغه ويشرحه ويدل الناس عليه ويطبقه أمامهم.
وإلا لو كانت العبادة بمجرد الخلق ما احتجنا إلي رسول، كان بمجرد الخلق تأتي العبادة، إذن معني (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56) تعني التكليف بالعبادة بواسطة أوامر يبلغها رسول، فمنهم من يطيع ومنهم من يعصي.
وإذا نظرنا إلي معني العبادة هنا (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْت) (قريش: 3) أنه تعالي ربط العبادة بالسبب الذي من أجله جاء ابراهيم بذريته هنا، والسبب الأصيل  (لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) (إبراهيم: 37) فكأن الصلاة إذن هي المحور الأساسي في العبادة.
والعبادة لها معني واسع ومعني متوسط ومعني أدني، معناها الأدني المعرفة والمتوسط أن نؤدي ما فرض علينا من الشعائر والعبادات التي نتقرب بها إلي الله كالصلاة والصيام والزكاة والحج.
وباقي منهج الحياة الذي أطلق عليه الفقهاء اصطلاحاً المعاملات وهي أيضاً من منهج الحق سبحانه، فإذا ما اتبعنا منهج الله في هذه المعاملات أيضاً فقد وصلنا إلي المعني الواسع الشامل للعبادة.
والواقع أن هذا تقسيم فني تأليفي، فالإسلام لايفرق أبداً بين العبادات والمعاملات، إلا من حيث الجهة فالعبادات هي العلاقة بين العبد وربه.
والمعاملات علاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان هي النظم التي شرعها الله والأحكام التي تحكم حركة المجتمع المسلم في مجالات الأسرة والسياسة والحكم والأخلاق والاقتصاد، الخ فإذن المصدر واحد.
فإذا قلنا معني العبادة في (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْت) (قريش: 3) أنها الصلاة لأن الصلاة فيها طرف من كل العبادات، وأيضاً فيها طرف من المعاملات.
فالصلاة هي العبادة بمعناها العام الشامل وهو الخضوع لله ولمنهج الله دون مناهج البشر، إلا أن منهج الله في العبادات قاصر علي ما شرعه الله لايتدخل فيه أحد لابزيادة ولانقصان.
أما أمور المعاملات فقد ترك الله تعالي للذهن البشري دوراً يتدخل فيه ويقنن ما يراه مناسباً للبيئة والعصر الذي يعيشه في إطار الأصول العامة التي لاتخرج عن روح المنهج وأهدافه.
لذلك كان الكفار حتي قبل الإسلام لهم قوانين ولهم نظم يتعاملون بها في أسرهم وفي تجارتهم واقتصادهم، لأن هذه النظم ضرورية لحركة الحياة.
أما العبادة فلم يجرؤ أحد عليها فلم يقل أحد لأحد صلّ لي أو لفلان، وما تقرب أحد لأحد بصلاة ولا صيام أبداً، لأن العبادة لاتوجد إلا مع المنهج والشرع والدين.
فالصلاة أخذت محل الصدارة من الدين وقال عنها سيدنا رسول الله: »الصلاة عماد الدين»‬ لأنها جمعت بين العبادات والمعاملات، كيف؟ قالوا: لأن المعاملات أيضاً فرض له علاقة بالمجتمع القريب وهو الأسرة وبالمجتمع البعيد وهو الأمة.
وهذه العلاقة لابد أن يقوم عليها إمام يقود الناس ويرشدهم وينفذ أحكام الله وحدوده ويرفع الظلم عن المظلومين ويرد الحقوق إلي أصحابها.. الخ والصلاة تعلمنا أن يكون لنا إمام نقتدي به ففيها أرقي بند من بنود الولاية والحكم.
ثم إن الصلاة تميزت عن العبادات الأخري بأنها فرضت علي سيدنا رسول الله بالتكليف المباشر من الله تعالي لرسوله، أما باقي العبادات فقد فرضت بواسطة أمين الوحي، ذلك لأهميتها ومنزلتها من الدين، ومن حيث المكان فقد فرضت ومحمد صلي الله عليه وسلم في حضرة ربه بمكان لم يصل إليه أحد غيره.
وقد نالت الأمة درجة القرب هذه لما نزل رسول الله بالتحية من ربه إلي أمته وبهذه التحية يحصل للأمة القرب الذي تشرف به رسول الله.
لذلك خاطبه ربه بقوله: (فأسجد وأقترب) (العلق: 9) فكما اقترب رسول الله من ربه في ليلة الإسراء والمعراج نستطيع نحن أن نقترب من الله ونكون في حضرته بأن ندخل في الصلاة.
وسبق أن أوضحنا أن الصلاة جمعت كل أركان الإسلام الأخري، فالشهادتان يجب علي المسلم أن ينطق بهما ولو مرة واحدة في عمره.
أما في الصلاة فينطق بها عدة مرات كذلك فيها من الزكاة لأن المال فرع العمل، والعمل فرع الوقت، والصلاة تأخذ من الوقت فحين تضحي بالوقت وتصلي كأنك تؤدي الزكاة بهذا المعني.
وإلي لقاء آخر إن شاء الله.










تعليقات القرّاء