خواطر الامام

التواصي يكون بالحق لا بالباطل وبالصبر لا بالجزع


3/19/2017 2:11:25 PM

يقول الحق سبحانه:
بسم اللّه الرحمن الرحيم

وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ

(العصر: 1-3)

صدق الله العظيم

يقول الحق سبحانه:
وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر: 1-3).
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين، والحمد لله كما علَّمنا أن نحمد، وصلي الله وسلم علي سيدنا محمد رحمة الله للعالمين وخاتم المرسلين.
وبعد فقد توقفنا في الحلقة السابقة عند كلامنا عن خواطرنا حول قوله تعالي: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر: 3).
وكلمة (وَتَوَاصَوْا) تدل علي المفاعلة فكل فرد مُوصِي وموصي في نفس الوقت يوصي غيره ويوصيه غيره فهي مهمة عامة شائعة في كل الأفراد.
والتواصي يكون بالحق لا بالباطل وبالصبر لا بالجزع والفزع، فكم من أخلاء يتواصون بالباطل والمعصية والإثم ويتعاونون عليه، وكم من متواصين بالجزع عند الملمات لا بالصبر علي قضاء الله وقدره.
وحينما نتتبع مادة (تواصي) في القرآن نجد قوله تعالي في شأن سيدنا إبراهيم (وَوَصَّي بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَي لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (البقرة: 132).
والوصية وقتها متسع لكن قد يضيق عنها الوقت فتأتي موجزة تسابق الزمن قبل حلول الأجل كما رأينا في وصية سيدنا يعقوب وهو يحتضر.
ومع ذلك كان حريصاً علي أن يبذل النصح لبنيه (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ ح إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي) (البقرة: 133).
فأهم شيء أراد يعقوب أن يطمئن إليه قبل أن يفارق الدنيا أن يطمئن علي المنهج العبادي لأولاده، فلم يهتم بأحوالهم الدنيوية من رزق أو مال أو غيره (قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة: 133).
ويعرض الحق سبحانه الوصية من الآباء للأبناء لأنها أخلص وأصدق وصية، فالإنسان إن غشَّ لايغش أبناءه، بل يعطيهم حصيلة تجربته ويدلهم علي المنهج السليم الذي يصلحهم.
ومن ذلك وصية سيدنا لقمان لابنه (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: 13).
وفيها (يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَي مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) (لقمان: 17).
هذه نماذج للتواصي بالحق والحق هو المنهج المحبوب الذي جرَّبه الناصح، وأراد أن يلتزم به أحب الناس إليه وهو ولده.
والتواصي بالحق والتواصي بالصبر له شواهد كثيرة في التاريخ الإسلامي ففي عهد الخلفاء الراشدين رأينا أبابكر وعمر يوصي كل واحد منهما رعيته في أول يوم من أيام خلافته.
خصوصاً ولاية أبي بكر وعمر بعد رسول الله تجعل الناس تهاب الخليفة، وربما تحملهم هذه المهابة علي ترك حقهم أو التنازل عنه أو الغفلة عن أمر من أمور المسلمين.
فكان الواحد منهم حريصاً علي توعية الرعية وتعريفها بحقها وأن تطالب به وأن تحاسب الخليفة وتنظر في أعماله وتصرفاته فستقبل منها الصواب وترد غير الصواب وتصحح للخليفة وتأخذ علي يده.
ومن ذلك قول أبي بكر: »لقد وُلّيت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، أطيعوني  ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم»‬.
ولما قال سيدنا عمر: إن رأيتم فيّ اعوجاجاً فقوّموني قام رجل فقال: والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناك بسيوفنا، فضحك سيدنا عمر وقال: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد صلي الله عليه وسلم مَنْ يقوِّم اعوجاج عمر بسيفه».
لذلك كان الخلفاء في كل العصور  الإسلامية حريصين علي أنْ يوصوا الوالي قبل أن يرسله إلي محل ولايته يوصيه ويزوده بالنصيحة وبالمباديء التي يسوس بها الرعية حتي لاتطغيه الولاية فيظلم الرعية أو يبخسها حقها عليه.
فالإمام علي رضوان الله عليه يوصي مالك بن الأشتر الذي ولاه ولاية مصر يقول له: اعلم يا مالك أنّي قد وجهتك لبلاد قامت فيها دول قبل بالعدل وبالجور. وأن الناس سينظرون من أمرك مثلما كنت تنظر من أمور الولاة قبلك ويقولون فيك كما كنت تقول فيهم إنما يُستدل علي الولاة بما يجري علي ألسنة العباد.
فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح، وأشعر قلبك الرحمة بالرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولاتكن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم.
فإنهم صنفان إما أخوك في الإسلام وإما نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل وتغلب عليهم العلل، ويؤتي علي أيديهم من العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك ما تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم وولي الأمر فوقك والله فوق من ولاك».
إذن كان الخليفة حريصاً علي نصح الوالي لأن الوالي إذا صلح صلحت رعيته، لذلك كان الحسن البصري رضي الله عنه يقول: لو كان لي عند الله دعوة مستجابة لادخرتها للسلطان، فلما سئل عن ذلك قال: لأن الله يصلح بصلاحه خلقاً كثيراً.
وأيضاً في التاريخ الإسلامي شواهد كثيرة  للتواصي بالصبر لأن الوصية غالباً ما تواجه وتجابه بمن يعارضها ويقف لصاحبها بالمرصاد.
فسعيد بن المسيب ناله ما ناله، وسعيد بن جبير ناله ما ناله، والإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد والإمام أبوحنيفة.
كل هؤلاء امتحنوا في دينهم فثبتوا وجهروا بكلمة الحق وأوصوا بالحق وثبتوا عليه لم يزحزحهم عنه جبروت ولا أخافهم سلطان ولم يغرهم زخرف الدنيا وزينتها.
وأظنكم تعلمون فتنة الإمام أحمد بن حنبل في مسألة خلق القرآن أيام المأمون ثم المعتصم وكيف أنه ثبت علي الحق وقال بعدم خلق القرآن مع ما تعرض له من السجن والتعذيب، ووقوف العلماء في عصره إلي جانب الدولة والقول بخلق القرآن، فكان مثلاً للتواصي بالحق والتواصي بالصبر.
ولو طبقنا مباديء سورة العصر علي العصور المختلفة علي مر التاريخ لوجدناها حقاً، فالأمم والحضارات التي أخذت بهذه المباديء واستوفت هذه الشروط كتب لها النجاح والفلاح والازدهار، فلما تخلف مبدأ منها تراجعت هذه الأمم وسقطت هذه الحضارات وزالت فاقرأ مثلاً قصة أهل سبأ، يقول تعالي:
(لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ، فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ، ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ) (سبأ: 15-17).
هذا مثل لحضارة بلغت القمة والتفتت إليها الدنيا كلها، فما الذي جعلها تنهار هكذا؟ لأنها لم تلتزم ولم تتمسك بمقومات الصمود والنقاء، وهي العقيدة الراسخة والعمل الصالح ثم التواصي بالحق والتواصي بالصبر.
كذلك حضارات الفراعنة وعاد وثمود وقوم نوح وقوم لوط، وفي عصرنا الحاضر تأخر المسلمون لأنهم تركوا هذه المقومات وغفلوا عنها حتي تكالب عليهم الأعداء من كل جانب.
وإلي لقاء آخر إن شاء الله.