تحقيقات

هــــؤلاء يعالجون تجديد الخطاب الديني

د. محمد عبد الغني شـــــــــــــــــامة:


تحقيق: مهدي أبوعالية
2/13/2017 1:51:41 PM

خطابنا الدعوي عشوائي.. وتـــــــــــــعليمنا الأزهري تلقيني!
حقائق جوهرية تجسدت في حوارنا مع د. محمد عبدالغني شامة أستاذ مقارنة الأديان بكلية اللغات والترجمة  جامعة الأزهر الحاصل علي درجة الدكتوراه من ألمانيا عام 1968.
الأولي: أن خطابنا الدعوي فوضي.. عشوائي.. إرتجالي!!
الثانية: أن تعليمنا الأزهري تلقيني وليس إبداعيا!!
الثالثة: أن مراجعة نظام القبول بالكليات الشرعية يمثل ضرورة عصرية لتخريج أئمة يجيدون التعامل مع آليات العصر الحديثة.
الرابعة: إن أدعياء الفضائيات يمثلون خطرا داهما علي الدعوة وأن ترهل مؤسسات الدعوة دورا ورسالة وأشخاصا هو الأشد خطورة.
الخامسة: إننا نحتاج زلزالا دعويا ليس فقط لمواجهة داعش بلاد الشام ولكن للتصدي لدواعش الداخل المصري سواء في الغلو اليميني أو التطرف اليساري.
وحين سألته عن مشروعه الدعوي الذي أرسله للرئيس السيسي من خلال أحد مؤلفاته تحت عنوان تجديد الخطاب الديني بين العشوائية والمنهجية وحدده في اختيار المسجد الجامع بكل قرية ومدينة ومحافظة وتركيب شبكة »‬ڤيديو كونفرانس» يحاضر فيها أهل الاستنارة الفقهية حول قضايا العصر وما يشغل الناس في واقعهم بعيدا عن مكلمة المؤتمرات وصراع الكراسي والجزر المنعزلة التي تحكم واقعنا الدعوي!!
وقضايا أخري كثيرة تناولها حوارنا مع د. شامة لعل أخطرها هذه
النبوءة الألمانية لمؤلف ألماني في كتاب له ترجمه د. شامة عام 71.
فقط يستوقفني أن د. شامة ليس عضوا في هيئة كبار العلماء أو حتي مجمع البحوث الإسلامية وحين سألته لماذا؟ رد ضاحكا.. مبتسما لأنهم في الأزهر لايريدون أحدا »‬يتتبعهم» بأرائه التقدمية علي قولهم!!
ويبدأ الحوار...
أدعياء الفضائيات خطر.. والأشـــــــــــــــــــد خطورة ترهل مؤسسات الدعوة
مراجعة نظام القبول بالكليات الشرعية ضرورة عصرية
> سألت د. عبدالغني شامة كيف ترصد واقعنا الآن في خطابنا الدعوي؟ وإلي أي مدي تكمن التحديات التي تمثل خللا دعويا رهيبا يحدث تداعيات سلبية ليس فقط في سلوكيات المواطن بل في أخلاقه رغم أن سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم قال»‬إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» قولا وفعلا؟
قال: واقعنا الدعوي الآن مؤلم تبدو عليه تداعيات خطيرة ومريرة فنحن نواجه فوضي وعشوائية وارتجالية في خطابنا الدعوي فكل من ليس له مهنة يتصدي للحديث في الإسلام قرآنا كريما وسنة نبوية شريفة وتراثا إسلاميا!!
ويضيف د. شامة يؤسفني أن أري أدعياء للإسلام فشلوا في كسب قوت حياتهم وتلبية مطالبهم أن يتخذوا من الاسلام مطية لجمع المال وكل واحد ممن اسميهم بالدعاة الجدد يفتي بغير علم أو ممن أطلق عليهم »‬المفكر الإسلامي» يتكلم بغير دليل أو سند شرعي وهذه مسميات سواء »‬دعاة جدد» أو مفكر إسلامي تطلق علي من لامهنة له وما عليك إلا أن تقلب عينيك في فضائيات الفتنة والاثارة لتجد ما لايسرك.
مسئولية مشتركة
> سألت.. ولماذا برز هؤلاء وتصدروا المشهد الدعوي؟
لأن القائمين علي الدعوة بكل أسف وهم الأزهر ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف لم يقوموا بواجبهم ولم يؤدوا حق الله ورسوله في تبليغ منهج الله ورسوله »‬أدع إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن» وتحولت الدعوة وخطابنا الديني إلي فرق متناحرة وجماعات متصارعة كل يبحث عن أنصار ومؤيدين وحشود .
غضب وحيرة
ويؤلمني أن يتم هذا والأزهر لايحرك ساكنا غضبا للإسلام ودفاعا عن الدعوة حتي خرجت علينا فرق علمانية سافرة تشكك في شعائر الإسلام تحت دعوي حرية الرأي والابداع.
ويوضح د. شامة ومما يزيد الأمر حسرة ومرارة أن أغلب الأئمة تربوا علي كتب قديمة تضم أراء واجتهادات لم تعد تناسب العصر وهم -أي الأئمة عبيد لتلك الآراء رغم أنها أراء بشر والناس في حيرة ليس فقط داخل الأمة الإسلامية بل خارج الأمة والكل يسأل أي إسلام نتبع؟! إسلام مصر الأزهر أم إسلام شمال أفريقيا أم السعودية أم تركيا أم ايران أم غيرهم رغم أن الإسلام واحد وإن تعددت الرؤي حوله لأن هناك فرقا كبيرا بين الإسلام والفكر الإسلامي فالإسلام هو النص القرآني الحكيم المحفوظ بحفظ الله تعالي له والسنة النبوية العملية والحديث المتواتر وكل ما يكتب تفسيرا وتوضيحا يسمي بالفكر الإسلامي وخطأ فادح أن يتم الخلط بين الإسلام واجتهاد العلماء في فهم النص وشرحه.
قضايا العصر
أصف إلي ذلك - يكمل د. شامة - أن الأئمة إلا من رحم ربك- وهم قلة - ليسوا علي علم وثقافة بمعطيات العصر أغلبهم لم يقرأ شيئا منذ تخرجه ومنهم من درس الفقه علي مذهب معين وتعصب لهذا المذهب وقديما كنا ندرس أن اختلاف العلماء رحمة تيسيرا للناس لكننا الآن نقول إن اختلاف الأدعياء نقمة الأمر الذي تحولت به الدعوة لواقع مؤلم لأننا أمام أدعياء وليس دعاة لايفهمون فلسفة تعدد الأراء وأنها دليل علي أن الاسلام من حيث هو إسلام صالح لكل زمان ومكان ولكل أساليب الحياة.
ليس مقدسا!!
> أما التراث الإسلامي فليس مقدسا لا أتركه.. ولا أتجاهله بل نأخذ منه ما يناسب العصر وأدع ما لايناسب العصر فإن لم أجد في التراث أجتهد رأيي.
خطأ كبير
وخطأ كبير - يؤكد د. شامة- أن يتحدث أدعياء اليوم عن تنقية التراث ذلك أن هذا التراث يمثل ذاكرة الأمة وتاريخها الثقافي الذي يتعين الحفاظ عليه.
ويؤسفني أن هؤلاء الأدعياء يتبعون أسلوبا لايؤدي للتجديد وهو تنظيم مؤتمرات وتأليف لجان حصادها في التجديد لايتجاوز الأحبار التي كتبوها به وليس له عائد فالمؤتمرات كلامية خطابية شعارات تنتهي لتوصيات حبيسة الأدراج ولجان تجتمع وتنفض في كلمة وتسألني عن واقعنا الدعوي ونحن بصدد خطاب ديني عشوائي!! فوضي.. ارتجالي.
مشروع دعوي عصري
> سألت.. هذا هو الداء الذي تفضلتم بتشخيصه فكيف تعد مشروعا دعويا عصريا يواجه تحديات الأمة ويضبط بوصلة الدعوة في مواجهة داعشية تكفيرية أو علمانية إباحية؟
> هذا مشروع دعوي عصري أهديته للرئيس السيسي في أحد مؤلفاتي تحت عنوان تجديد الخطاب الديني بين العشوائية والمنهجية منذ يناير 2016 وتتحدد ملامح هذا المشروع في اختيار وتحديد المسجد الجامع بكل قرية ومدينة ومحافظة وتركيب »‬شبكة ڤيديو كونفرانس» واختيار علماء وأقول علماء من أهل الفقه والاستنارة يقدمون رؤية الإسلام لقضايا واقعهم ليس فقط في مواجهة الأفكار المتطرفة والأراء المنحرفة بل تقديم منهج الإسلام بوسطيته واعتداله من خلال مبادرات خلاقة إبداعية ترصد عن كثب ما يشغل الناس وما تبثه فضائيات الإثارة وترد عليهم بالأدلة الشرعية فالإسلام ليس فيه ألغاز بل هو كالشمس في كبد النهار يخاطب العقل والوجدان والحواس حتي الجن حين استمعوا للقرآن قالوا أنصتوا.
هيئة علمية فقهية
> ومن يحدد هذه القضايا التي تشغل الناس في واقعهم وحاضرهم ومستقبلهم؟
> هيئة علمية فقهية ليس لها صلة بمؤسسات الدعوة التي ترهلت وفقدت بوصلة الدعوة وانتهي عمرها الافتراضي دورا ورسالة يتم تشكيلها من كبار العلماء وهم كثر لكنهم مبعدون عن جنة المؤسسات التي تختار أعضاءها وفقا للأمزجة والأهواء الشخصية وممن يجيدون اللغة العربية ويفقهون الشريعة وأصول الدين وعلماء النفس والاجتماع والفنون لتحديد القضايا المعاصرة التي تحدث زلزالا دعويا تهتز له الأشخاص والكراسي والمؤسسات ذلك أن أخطارا تحدق بالأمة ليس فقط من جماعات الإرهاب أو التكفير أو حتي فرق العلمانية بل الأخطر منها هذا الصراع المذهبي بين الأمة حتي رأينا مسلما سنيا يقاتل مسلما شيعيا وأخر شيعي يناصب شقيقه في العقيدة السني العداء وأعداء الأمة يريدونها حربا سنية شيعية وهذا لن يتحقق إلا إذا تحرر شيخ الأزهر من القيود السياسية.
زلزال دعوي
> قلت تحدثني عن زلزال دعوي في ظل  جزر منعزلة وصراع كراسي وغياب مشروع دعوي
ينهض بالأمة؟
تحديات عاتية
> ليس  أمامنا تحديات أخري عاتية تدفعنا إلي مشروع دعوي يزلزل كيان الدعوة والمؤسسي
تختفي فيه الأنانية ونزعة الذات والنرجسية وتلك الجزر المنعزلة وصراعات الكراسي التي خلفت وراءها واقعا دعويا مؤلما وإلا فسوف تذهب دعوة الرئيس لتجديد الخطاب الديني أدراج الرياح وهذا لن يتحقق إلا باختيار الأكفأ والأفقه شريعة ومنهاجا.
ويصمت د. شامة قليلا ويبادرني قائلا: لا أنا عضو في  هيئة كبار العلماء ولا حتي عضو في مجمع البحوث ويسألني: أتدري لماذا؟
ويجيب لأنهم قالوا في الأزهر »‬لانريده لأنه سوف »‬يتتبعنا» بأرائه »‬التقدمية»!!
تعليم تلقيني
هذا يدفعني لسؤالك عن التعليم الأزهري طالما أنك تحدثني عن أرائك التقدمية التي أبعدتك عن هيئة كبار العلماء ومجمع البحوث.
قال خذ عني وقد جاوزت الثمانين عاما تعليمنا الأزهري تلقيني وليس ابداعيا رغم أن ديننا الإسلامي يخاطب العقل فكرا وتفكيرا وتدبرا وحرية لكننا في الأزهر نصادر حق السؤال لطلابنا ومن جانبي وفي كل محاضراتي لاحدود للسؤال حتي وصلنا إلي أن كل من يخرج عن فكر شيخه أو معلمه أو أستاذه أو مذهبه نرميه بالكفر وهذه جريمة خطيرة لأن إغلاق العقول وعدم إعطائها فرصة التفكير والتفتح يمثل عدوانا علي العقل وهذا شر مستطير ذلك أن داعش مثلا وكل تنظيمات الإرهاب تغلق كل الأبواب أمام العقل لتجنيد عملائها وبكل أسف كل من هو خارج المذهب الأشعري يرمونه بالكفر رغم أن العلم هو القوة وليس »‬الفهلوة».
فالتقليد لاينتج باحثين ومفكرين وعلماء ومبدعين ويجب أن ندرب طلابنا داخل الأزهر وخارجه علي التفكير الحر ونصحح ما نراه نحن من خطأ حتي يستطيعوا أن ينتجوا جديدا يناسب العصر وهذه سمة الأجيال التي تقود الأمة من عصر إلي عصر.
مراجعة فورية
قلت هذا يدفعني لسؤالك عن نظام القبول بالكليات الشرعية باعتبارها المنبع لإعداد وتأهيل الأئمة؟
> نظام القبول بالكليات الشرعية يحتاج مراجعة فورية بما يناسب العصر والظروف والتحديات من خلال ثلاثة أمور الأول: إجراء اختبارات شفوية وتحريرية للمتقدمين في اللغة العربية وحفظ القرآن والسيرة النبوية والثاني: توفير مزايا اجتماعية واقتصادية بتوفير الكتب والزي الأزهري والثالث: تعديدلات جوهرية في مناهج الدراسة بالكليات الشرعية بتعليم اللغات الأجنبية والكمبيوتر فضلا عن ضرورة مراجعة مناهج التدريس في المرحلة الابتدائية الأزهرية وأن يتساوي معها منهج التربية الدينية في التعليم العام وتدريس مادة الثقافة الإسلامية بجميع الجامعات بأسلوب عصري يقدم الإسلام طبقا لمعطيات العصر لأن جماعات العنف والتشدد خرجت من رحم الكليات العملية في الطب والهندسة ومن خارج الأزهر فليس لدينا أزهري تعلم في رحاب الأزهر علما وفقها من ينتمي لجماعات العنف.
من هم أعداء الإسلام؟
أتدري من هم أعداء الإسلام الحقيقيين.. يسألني د. شامة؟!
ويجيب نحن أعداء الإسلام الحقيقيين »‬بتقاعسنا»! وتخلفنا عن الإسهام في تقديم الإسلام لشبابنا بالصورة العصرية مما نتج عنه سلوك عدواني ينفر من الإسلام في ظل غياب كامل لمؤسسات الدعوة وترهلها كما قلت من النصف الثاني من القرن آل 20 حتي خرجت علينا داعش والقاعدة وتنظيمات التشدد لأنه ليس لدينا حصانة دينية ثقافية معتدلة ومتوائمة مع العصر ولو كانت لدينا هذه الحصانة ما استطاع الغرب أن يزرع بيننا داعش وغيرها والأخطر من دواعش الخارج أن عندنا »‬دواعش داخلية» تنتظر ضعف قبضة الدولة وترهل الفكر الديني.
> سألت د. شامة هناك من يخرج علينا بمقولة أن ثمة أحاديث نبوية تنسخ آيات قرآنية؟
ليس صداما بين القرآن والسنة
أستغفر الله.. هذا كلام مردود مردود لأن الشرط في صحة الحديث النبوي ألا يصادم نصا قرآنيا واقرأ إن شئت »‬وما ينطق عن الهوي إن هو إلا وحي يوحي» وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا» »‬ومن يطع الرسول فقد أطاع الله».
هذا دليل
وأخذ د. شامة يبدي وهو يؤكد إذا رأيت حديثا يصادم نصا قرآنيا فاعلم أن هذا الحديث غير صحيح!!
والدليل أن الإمام مالك رضي الله عنه رفض الحديث القائل »‬إذا ولغ الكلب في إناء  أحدكم فليغسله 7 مرات إحداهن بالتراب» لأنه يخالف نصا من نصوص القرآن وهو قول الله عز وجل »‬ويسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكبلين فكلوا مما أمسكنا عليكم» فنحن مأمورون أن نأكل من الفريسة التي يمسكها »‬كلب الصيد» ولم نؤمر بغسلها وأي حديث يخالف النص القرآني نحن نرفضه ليس لأنه كلام الرسول ولكن لأنه كلام الراوي ولو وجد الطبري والقرطبي وابن كثير ممن كتبوا التراث الآن لغيروا كثيرا من أرائهم فالإمام الشافعي غير أراءه التي أفتي بها في العراق حين جاء إلي مصر