خطبة الجمعة

دور المرأة في بناء المجتمع


3/19/2017 1:24:02 PM

استجابة لرغبة أئمة وزارة الأوقاف من قراء »اللواء الإسلامي»‬ تقدم الجريدة خدمة صحفية متميزة حيث تفرد هذه المساحة من كل عدد لنشر خطبة الجمعة الموحدة من وزارة الأوقاف متضمنة عناصر الخطبة والأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية.
وننشر خطبة الجمعة القادمة تحت عنوان: »‬دور المرأة في بناء المجتمع »

الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه الكريم:{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَي وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، وأَشهدُ أنْ لاَ إلهَ إِلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ ، وأَشهدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عَبدُه ورسولُهُ ، اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَيه وعلَي آلِهِ وصحبِهِ ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَي يومِ الدِّينِ ، وبعد :
فإن البشرية لم تعرف دينًا ولا حضارةً عنيت بالمرأة عناية الإسلام بها ؛ حيث اهتمت شريعة الإسلام بالمرأة وأكدت علي مكانتها وعظم منزلتها ، فقد جعل الله (عزّ وجلّ) الإنسان خليفة في أرضه ذكرًا كان أو أنثي ، ولم يفرق بينهما ، قال تعالي:{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَي بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ...}، كما أكدت الشريعة الإسلامية علي أن العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة شقين متكاملين وليسا ندين متصارعين ، قال سبحانه:{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ...}، ويقول نبينا (صلي الله عليه وسلم) : (إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ) ، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في سوء الفهم لبعض نصوص الكتاب والسنة ، وفي اقتحام غير المؤهلين وغير المتخصصين للدعوة أيضًا ، فيُظهرون الإسلام علي أنه يجعل من النساء إماءً تُباع وتُشتري ، وبعض أصحاب الفهم الخاطئ يبنون أحكام المرأة علي الضرورة فلا تتكلم إلا لضرورة ، ولا تخرج إلا لضرورة حتي صارت كل أحوال المرأة تخضع للضرورة.  
إن المرأة لها مكانتها ، فهي نصف المجتمع ولها دورها في خدمته ، فكيف نسمح بأن يكون نصف المجتمع معطلاً ؟!، وعندما ننظر في ديننا الإسلامي الحنيف نجد أنه قد كرم المرأة أمًّا وأختًا وزوجةً وبنتًا وإنسانة ، فهي أمٌّ تحت أقدامها الجنة ، فقد جاء رجل إلي النبي (صلي الله عليه وسلم) يستأذنه في الجهاد ، فسأله أحية أمك؟ فقال الرجل: نعم ، فقال (صلي الله عليه وسلم) : (... الْزَمْ رِجْلَهَا ، فَثَمَّ الْجَنَّةُ) ، وهي بنت تحجب النار عن أبيها إن أحسن إليها ، وفي ذلك يقول نبينا (صلي الله عليه وسلم) : (مَنْ كَانَتْ لَهُ أُنْثَي فَلَمْ يَئِدْهَا ، وَلَمْ يُهِنْهَا، وَلَمْ يُؤْثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْهَا - قَالَ يَعْنِي الذُّكُورَ - أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ) ، ويقول (صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : (مَنْ كُنَّ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ أَوْ بِنْتَانِ أَوْ أُخْتَانِ اتَّقَي اللَّهَ فِيهِنَّ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ حَتَّي يَبِنَّ أَوْ يَمُتْنَ كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّارِ). وزوجة تكمل نصف دين زوجها يقول (صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ امْرَأَةً صَالِحَةً ، فَقَدْ أَعَانَهُ عَلَي شَطْرِ دِينِهِ ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ فِي الشَّطْرِ الثَّانِي).
فالمرأةُ في ظل تعاليم الإسلام القويمة وتوجيهاتِه الحكيمة تعيش حياةً كريمة، فهي والرجل في الإنسانية سواء ، فقد خُلقا من أصل واحد يَسعد كل منهما بالآخر ، قال تعالي: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}، وأوصّي بهن رسول الله (صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حيث قال: (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا) ، ولرفعة شأن المرأة ومكانتها نهي النبي (صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عما يفعله بعض الناس من تمييز الأبناء علي البنات في المأكل أو المشرب أو الملبس أو المسكن أو المعاملة الكريمة ، فعندما كان أحد الناس يجلس إلي جانب النبي (صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَجَاءَهُ ابْنٌ لَهُ ، فَأَخَذَهُ فَقَبَّلَهُ ، ثُمَّ أَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ ، وَجَاءَتِ ابْنَةٌ لَهُ ، فَأَخَذَهَا فَأَجْلَسَهَا إِلَي جَنْبِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّي اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : (هَلَّا عَدَلْتَ بَيْنَهُمَا؟).
وكما أن للرجل دورًا هاما في خدمة المجتمع ، فللمرأة كذلك دور لا يقل أهمية عن دور الرجل ، ومن الأدوار المهمة التي تؤديها المرأة في بناء المجتمع: مشاركتها في العمل والإنتاج ، فالمرأة تعمل بجوار الرجل ، بما يصون كرامتها
ولا يسيئ إليها ، كالتمريض، والتطبيب ، والتدريس، والحياكة، وبعض الأعمال الزراعية وغيرها ، وقد قصّ علينا القرآن الكريم أنموذجًا لعمل المرأة حيث يقول سبحانه:{وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّي يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}.
وقد ضربت السيدة خديجة (رضي الله عنها) أروع الأمثلة في الوقوف بجوار زوجها بمواقف عظيمة دلّت علي رجاحة عقلها وشجاعتها في مواجهة التحديات التي واجهت رسول الله (صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فأيدته وثبَّتته وأعانته علي المضي في دعوته ، وكانت تحرص علي راحته ، وتطمئن علي سلامته، وتعمل كل ما في وسعها لإسعاده ، فكان الجزاء من جنس العمل، حيث أَتَي جِبْرِيلُ (عليه السلام) النَّبِيَّ (صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ : بَشِّرْ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لاَ صَخَبَ فِيهِ، وَلاَ نَصَبَ). وكذلك أسماء بنت أبي بكر (رضي الله عنهما) مع زوجها الزبير بن العوام (رضي الله عنه) حيث قالت: (تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ ، وَمَا لَهُ فِي الأَرْضِ مِنْ مَالٍ وَلاَ مَمْلُوكٍ ، وَلاَ شَيْءٍ غَيْرَ نَاضِحٍ وَغَيْرَ فَرَسِهِ، فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ وَأَسْتَقِي المَاءَ...).  
ومن ثم فإن دور المرأة ، ومسئوليتها تجاه بيتها وزوجها مسئولية عظيمة ، يقول النبي (صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : (كُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا...).
ولا يتوقف دور المرأة علي مساعدة زوجها فحسب ، بل تعدي دورها إلي مشاركتها في العمل العام ، فقد ذكر القرآن الكريم أنموذجًا عظيمًا للمرأة وحكمتها ، كما ورد في قصة سيدنا سليمان (عليه السلام) وجنوده ، يقول سبحانه:{قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّي تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ * قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ}.
وكذلك مشاركتها في الشأن السياسي العام ، ففي العهد النبوي كان للسيدة أم سلمة (رضي الله عنها) دور في معالجة وقوع الصحابة في مخالفة أمر النبي (صلي الله عليه وسلم) ، حيث أشارت علي النبي (صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في عام الحديبية بعد صدّ النبي (صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) والصحابة عن زيارة المسجد الحرام ، والتصالح علي أن يعودوا من عامهم بدون أداء للعمرة ، وشعور الصحابة أن بنود الصلح فيها إجحاف لهم ، فلم يبادروا بالتحلل من إحرامهم ، فأشارت علي نبينا (صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أن يبدأ هو بنفسه فيتحلل من إحرامه أولًا، فحينئذ يتحلل الصحابة من إحرامهم خلف رسول الله (صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وهذا ما حدث بالفعل.
ومن ثمَّ فإن دور المرأة له  أهميته ، فقد وقفت السيدة نسيبة بنت كعب (أم عمارة) موقف  الدفاع عن رسول الله (صلي الله عليه وسلم) في غزوة أحد حتي أصيبت بالعديد من الطعنات والضربات؛ وقال عنها الرسول (صلي الله عليه وسلم): (إنني في غزوة أحد ما تلفت يمينًا ولا شمالاً إلا ورأيت أم عمارة تقاتل دوني) .
إن المشاركة في الحياة العامة والإسهام في القضايا الوطنية لا تقتصر علي الرجال دون النساء ، فدور النساء في العمل الوطني والخيري والتطوعي قد يسبق عمل الرجال ، فالطبيبات إلي جانب الأطباء ، والمعلمات إلي جانب المعلمين ، والمهندسات إلي جانب المهندسين ، يكمل بعضهم بعضًا  في أداء الرسالة والواجب الوطني والمهني.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
>>>
الحمد لله رب العالمين، وصلاة وسلامًا علي خاتم أنبيائه ورسله سيدنا محمد (صلي الله عليه وسلم)، وعلي آله وصحبه أجمعين.   
أخوة الإسلام:
إن دور المرأة لم يقتصر علي الجانب الاجتماعي والاقتصادي فحسب، بل كانت حريصة علي طلب العلم والاهتمام به منذ عهد النبي (صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إلي العصور الزاهية بالعطاء والإشعاع العلمي، والإسهام في البناء الحضاري ؛ إذ كانت تطلب من رسول الله (صلي الله عليه وسلم) أن يخص النساء بمجلس علم ، فعن أَبي سعيد الخدري (رضي الله عنه)، قال: جَاءَت امْرَأَةُ إِلَي رَسُولِ الله (صلي الله عليه وسلم)، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِك، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيه، تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللهُ، فَقال: (اجْتَمِعْنَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا، فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا) فَاجْتَمَعْنَ فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ الله (صلي الله عليه وسلم) فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، ثُمَّ قال : (مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّم بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ وَلَدِهَا ثَلاَثَة، إِلاَّ كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ) فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: يَا رَسُولَ اللهِ واثْنَيْنِ ، قَالَ: فَأَعَادَتْهَا مَرَّتَيْن، ثُمَّ قال : (وَاثْنَيْن، وَاثْنَيْن، وَاثْنَيْنِ). وغير ذلك كثيرات ممن حملن العلم والحديث رواية ودراية ، منهن أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها) التي تُعدُّ من أكثر رواة الحديث بعد أبي هريرة (رضي الله عنه) ، وأم المؤمنين أم سلمة (رضي الله عنها) ، وأسماء بنت يزيد ثالث امرأة في رواية الحديث بعد عائشة وأم سلمة (رضي الله عنهن أجمعين) ، وأم عطية الأنصارية التي تُعدّ من فقيهات الصحابة ، وغيرهن ممن روين الحديث كالصماء بنت يسر ، وميمونة بنت سعد مولاة رسول الله (صَلَّي اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
ومن ثم تعلمت وعلمَّّّّّّّّّّّّّت علومًا شتي، فأسهمت إسهامات فعالة في الحركة العلمية منذ عصر النبوة ، وكان لها دور كبير في تعليم العلوم الشرعية ، واللغوية ، بالإضافة إلي العلوم الطبيعية كعلم الطب والفلك والرياضيات وغيرها ، فبرزت منهن نساء عالمات ، وفقيهات، ومحدثات، ومفتيات، وأديبات، وشاعرات، وطبيبات.
وبعد أن تحدثنا عن دور المرأة بصفة عامة فمن الطبيعي أن نخص ما خصه رسول الله (صلي الله عليه وسلم) عندما سأله أحد الصحابة قائلاً: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: (أُمُّكَ)، قَالَ: ثُمَّ مَنْ قَالَ (ثُمَّ أُمُّكَ)، قَالَ: ثُمَّ مَنْ قَالَ: (ثُمَّ أُمُّكَ)، قَالَ: ثُمَّ مَنْ قَالَ: (ثُمَّ أَبُوكَ) ، فبرَّ الوالدَيْنِ من أعظمِ الحقوق التي أمرَ اللهُ تعالي برعايتِها ، حيثُ جعله اللهُ (عز وجل) في المرتبة الثانية بعد الوفاء بحقَّه سبحانه      في العبادة، فقال:{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}،وقال سبحانه:{وَقَضَي رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}.
وإذا كان الحق سبحانه وتعالي أمرنا بالبر والإحسان إلي الوالدين معًا فإنه سبحانه قد أوصي بالأم خاصة ، وكرر تلك الوصية لفضلها ومكانتها ، ولصبرها علي المشقة والتعب ، وما لاقته من صعوبات في الحمل ، والولادة والرضاعة والتربية ، قال تعالي: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَي وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}.
وقد جعل النبي (صلي الله عليه وسلم) الإحسان إلي الأم من مكفرات الذنوب، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ (رضي الله عنهما) أَنَّ رَجُلاً أَتَي النَّبِيَّ (صلي الله عليه وسلم) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا ، فَهَلْ لِيَ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ : (هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ). قَالَ لاَ. قَالَ : (هَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ) قَالَ نَعَمْ. قَالَ (فَبِرَّهَا).
 وغير ذلك من النصوص التي تؤكد ضرورة الإحسان إلي الأم ، فالأم مصدر الحنان ومنبع الإحسان ، لذلك أوكل الإسلام إليها تنشئة الأجيال وإعدادها ، فهي التي يقع عليها عبء تربية النشء،  ولله درّ القائل:                                                            
الأم مدرسة إذا أعددتها    
   أعددت شعبًا طيب الأعراق
 فطوبي لمَنْ أحسن إلي أمِّه واجتهد في رضاها ، فرضا الله من رضاها وسخط الله من سخطها.