خواطر الامام

الإلهاء يشغل الإنسان عن الواجب والنافع


2/14/2017 2:43:55 PM

يقول الحق سبحانه:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ، حَتَّي زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ، كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ، كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ
المكاثرة تعني المفاخرة، وظل الناس يتفاخرون حتي زاروا المقابر للتفاخر بالأموات
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين، والحمد لله كما علَّمنا أن نحمده، وصلي الله وسلم علي سيدنا محمد رحمة الله للعالمين وخاتم المرسلين.
توقفنا في الحلقة السابقة من خواطرنا حول قوله تعالي: (أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ، حَتَّي زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ) (التكاثر: 1- 2).
التكاثر من تفاعل وتدل علي المشاركة في الفعل، مثل تقاتل الفريقان فكل من الفريقين فعل فعل القتال والتقاتل، ومثلها تشاجر فكل شاجر الآخر، فالشجار والقتال والمكاثرة حدث من الطرفين.
ويحدثنا المؤرخون أنه حدث تكاثر من قوم من بني عبد مناف أمام قوم من بني سهل.
هذا التكاثر والمكاثرة صرفهم عما هو أهم وهو عبادة الله وحده فوقعوا في الغفلة، وقد ذهبت بهم المكاثرة حتي زاروا المقابر ليكاثروا حتي بمن مات، فلم يكتفوا بالمكاثرة ونحن أكثر منكم في الأحياء بل كاثروا بعضهم بالأموات.
وكلمة (أَلْهَاكُمْ) من الإلهاء وهو أن يوجد شيء يسيطر علي فكر الإنسان فيجعل غير المطلوب منه أهم من المطلوب، فيوجه طاقته إليه، وقريب من الإلهاء اللعب لأنه انشغل  بشيء تافه، ليس فيه غناء وترك شيئاً آخر مهماً.
وللحق سبحانه وتعالي حينما تعرض لمسألة اللهو في القرآن الكريم جاء اللهو بعد اللعب، هكذا: (إَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) (الحديد: 20) إلا في موضع واحد سبق اللهو واللعب في قوله تعالي: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ) (العنكبوت: 64) لأن الإنسان يمر في حياته بفترات.
فقبل أن يبلغ لايصرفه اللعب عن مطلوب منه، لأنه غير مكلف في هذه المرحلة، أما اللهو فيأتي بعد التكليف لأنه يصرف الإنسان عن شيء مهم، وبما أن الإنسان يستقبل الحياة دون تكليف فأول ما يبدأ يبدأ باللعب.
ومع ذلك لم يقل الحق سبحانه: لعبتم وإنما قال (أَلْهَاكُمْ) (التكاثر: 1) لأن اللعب عادة لايكون في منطقة التكليف، لذلك جعل اللهو حراماً لأنه يشغلك بشيء تافه عن شيء مهم.
أما اللعب فمباح لأنه ترفيه للنفس ليس له حصيلة إلا أن يعطي شيئاً من الراحة والانطلاق للنفس حتي لاتمل، ومن ذلك إباحة اللعب يوم العيد.
وقد كان رسول الله صلي الله عليه وسلم ينظر إلي الحبشة وهم يلعبون وهو في مسجده، والسيدة عائشة تنظر إليهم من خلفه صلي الله عليه وسلم.
وكذلك في يوم عيد دخل أبوبكر بيت رسول الله فوجد جاريتين تغنيان فقال: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله؟ فقال صلي الله عليه وسلم: دعهما يا أبا بكر فإننا في  يوم عيد.
إذن فمثل هذه الأمور مباحة للمكلف شريطة ألا تلهيه عن طاعة، وكذلك لاتكون في كل  وقت، إنما في الوقت الذي جعله الله عيداً.
فالمباحات التي كانت مباحة في الأول، تفعلها أو لاتفعلها، تأكل أو لاتأكل، أنت حر فليس فيها أمر تكليفي، لكن في عيد الفطر مثلاً أصبح مفروضاً عليك أن تفطر يوم العيد ويحرم عليك الصيام.
فالذي حرَّم عليك الأكل في نهار رمضان وأثابك علي صيامه هو الذي أحلَّ لك الأكل يوم العيد وأثابك عليه، كذلك في يوم العيد تلعبه، ولك ثواب علي هذا اللعب.
إذن نخلص إلي أن المعني في قوله تعالي: (أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ) المراد ألهاكم ما لايعنيكم عما يعنيكم، وشغلكم ما لايفيد عما يفيد ولابد لكم منه.
وقوله سبحانه: (حَتَّي زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ) (التكاثر: 2) لأن واقعة المكاثرة بين بني عبد مناف وبني سهل جرّتهم إلي المكاثرة بالأموات وأخذتهم إلي المقابر ليفاخروا بمن فيها.
ذلك لأن بني عبد مناف تفوقوا في هذه المكاثرة فقال بنو سهل: والله إن رجالنا أفناهم الوغي فهيا نتكاثر بالأموات والأحياء معاً.
فقال تعالي: (حَتَّي زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ) (التكاثر: 2) يعني ظللتم في هذه الغفلة وفي هذا اللهو، وظللتم مشغولين عما طلب منكم حتي وصلتم إلي هذه المنزلة، وهي أن تتفاخروا بمن قبروا تقولون: من في هذا القبر منا ومن في هذا القبر منا، هذا معني (حَتَّي زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ)  يعني: لتدللوا علي تكاثركم.
أو يكون معني (حَتَّي زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ) أي شغلكم التفاخر والمكاثرة طيلة الوقت وتماديتم فيها إلي نهاية الأجل ومفاجأة الموت وأنتم علي هذه الحال، فإن تنبهتم وأفقتم من غفلتكم فسيكون بعد فوات الأوان وانتهاء الأجل، وليس بعد الموت من مستعتب، إذن كل المعنيين صحيح.
ونلاحظ هنا أن العربي الذي يستقبل كلام الله ويفهم إشاراته وإيحاءاته المعبرة ساعة سمع هذه الآية قال: نعي الناس لأنفسهم ورب الكعبة، والله لقد قامت القيامة، مادام  (أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ، حَتَّي زُرْتُمْ الْمَقَابِر) يعني المسألة انتهت.
ويفهم من (حَتَّي زُرْتُمْ الْمَقَابِر) أما علي المعني الأول فإنهم ذهبوا إلي المقابر يتكاثرون بالأموات، فالأمر واحد لأنهم تكاثروا ورجعوا والمدة التي استغرقها التكاثر عند القبور مدة يسيرة هي مدة الزيارة.
أما إذا كان المقصود المعني الآخر وأن التكاثر ألهاكم وأذهلكم حتي فاجأكم الموت فمتم، فالموت ليس نهاية الأحياء، إنما مرحلة فقط بعدها بعث وحساب وحياة أخري، وفترة لك القبور هي فترة تلك الزيارة لأن الزائر غير مقيم.
وقلنا إن الذي يلهي الإنسان ويشغله عن المطلوب منه الغفلة عن مصيره في الأمرين، فلو استحضر أمامه جزاء الحسنة ما فرط فيها ولو استحضر جزاء السيئة ما أقدم عليها.
فلو جئنا إلي أعظم متعة يتمتع بها الإنسان في الحرام وقلنا له إن تمتعت هذه المتعة فسوف نلقيك في هذه النار الموجودة بالفعل أمامه فلن يقدم أبداً ولن يجازف بنفسه.
فلماذا إذا خوَّفنا الله من ناره لانخاف ولانرعوي؟ قالوا: لأن الصورة الأولي حاضرة ماثلة أمام العين فها هي المتعة، وها هي النار حاضرة غير غائبة فأثرها في النفس حاضر.
لكن نار الآخرة غيب آجل، والجزاء الأخروي غير واضح في النفس باهت الأثر من الغفلة، ولو استحضره الإنسان استحضار الموجود المحيّ لتفككت أوصاله خوفاً من عذاب الله، إذن المسألة كلها تعتمد علي اليقين في الجزاء.
لذلك لما سأل سيدنا رسول الله (حارث بن مالك): كيف أصبحت؟ قال: أصبحت مؤمناً بالله حقاً. قال: فما حقيقة إيمانك؟
قال »عزفت نفسي عن الدنيا فاستوي عندي ذهبها ومدرها، وكأني أنظر إلي أهل الجنة في الجنة ينعَّمون، وإلي أهل النار في النار يُعذَّبون»‬.
إذن وصل به اليقين في الغيب أن صار ماثلاً أمام عينيه شاخصاً كأنه يراه، ومن استحضر الصورة بهذا الشكل لايمكن أن يغفل عن منهج الله.
لذلك يصور لنا رسول الله حال الناس مع الموت فيقول: »‬لا أري يقيناً أشبه بالشك من يقين الناس بالموت»‬.
فالناس جميعاً موقنون أنهم سيموتون، واستقراء الحياة أمامهم يؤكد ذلك، لكن الغفلة تجعلهم في حالة أشبه بالشك فيه.
لكن ما الذي يجعل الإنسان يلهو عن المطلوب منه ويغفل عنه؟
قلنا: إن الخبر الذي تخبر به يأخذ صوراً ثلاثاً: صورة ذهنية تصل بك إلي يقين، ثم حينما تراها تصير عين اليقين.
ثم حينما تباشرها بنفسك تتحول إلي حق اليقين، والموت وصلنا فيه إلي حق اليقين، ومع ذلك يلهو الإنسان عنه لأنه يلهو عن القيمة الجزائية في الجنة والنار، لأنها في مرحلة علم اليقين.
لذلك يعالج القرآن هذا الداء في الإنسان، فيقول سبحانه: (كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ، كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ،   لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ، ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ) (التكاثر: 3- 8).
كلمة (كَلاَّ) للردع والزجر، يعني هذا الذي يحدث منكم من اللهو ومن التكاثر الذي وصل بكم إلي أن زرتم المقابر، هذا سلوك خاطيء لايليق بالعاقل الذي يتدبر الأمور ويرتبها علي مشاهدها، هذا مسلك لايرضي الله ولايجدي صاحبه شيئاً.
وقال (سَوْفَ تَعْلَمُونَ) يعني كأنهم يتشككون في مرحلة علم اليقين، فلم يكفهم علم اليقين فقال سوف تعلمون يعني عين اليقين لأننا في القبر تعرض علينا دار الجزاء إما الجنة وإما النار إنما لاندخلها.
فلما تأتي القيامة يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ينتقلون إلي مرحلة حق اليقين (كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ،   لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ) (التكاثر: 5- 7).
واستخدام (سَوْفَ) الدالة علي الاستقبال في مرحلتين الأولي لها مدة في الاستقبال والثانية لها مدة أطول ستأتي، لكن بعد الموت عند مرحلة عين اليقين.
وإلي لقاء آخر إن شاء الله.











تعليقات القرّاء